مقدمة
تتجاوز قضية الوفاة الغامضة في مستشفى غلستان بمدينة الأحواز حدود حادثة طبية منفردة، لتطرح أسئلة أوسع بشأن واقع الحق في الصحة وسلامة المرضى في الأحواز، ومدى كفاية منظومة الرقابة الطبية والقضائية في حماية حياة المواطنين الأحوازيين، وضمان حصولهم على رعاية صحية آمنة ومتساوية.
فوفاة أحد المرضى داخل وحدة العناية المركزة، وما أعقبها من فتح تحقيق رسمي وتوقيف طبيبين مقيمين، بالتزامن مع تداول عن استخدام مادة البوتاسيوم بصورة غير مشروعة بهدف إخلاء أسرّة العناية المركزة، وضعت المؤسسة الصحية في مواجهة تساؤلات تتعلق بالمسؤولية الطبية والإدارية، لكنها فتحت في الوقت نفسه نقاشاً أوسع حول الظروف التي يعمل فيها القطاع الصحي في الأحواز، وحول ما إذا كان الاكتظاظ ونقص الكوادر والموارد قد تحولا إلى عامل يهدد حياة المرضى ام ان هنالك أيادي واهداف ابعد وأعمق من قضية تتعلق بامكانيات المستشفى والأخطاء البشرية.
ولا يمكن، في هذه المرحلة، الجزم بأن وفاة المريض كانت نتيجة فعل متعمد أو أن هناك نمطاً منظماً من استهداف المرضى؛ إذ لا تزال التحقيقات الطبية والقضائية مستمرة. غير أن مجرد وصول القضية إلى مستوى التحقيق الجنائي وتوقيف طبيبين، إلى جانب ظهور شهادات عن ثمانية حالات أخرى مماثلة في الأسابيع الماضية، يجعل من الضروري التعامل معها باعتبارها قضية ذات أهمية حقوقية عامة، وليس مجرد حادثة داخل مستشفى.
بدأت القضية بوفاة مريض داخل وحدة العناية المركزة رقم 2 في مستشفى غلستان خلال مناوبة ليلية. ووفق المعطيات المتداولة، كان المريض في حالة صحية حرجة، وأُعلن عن انتهاء حياته من قبل الأطباء المختصين.
لكن ملابسات الوفاة أثارت لاحقاً شبهة تستدعي التحقيق، ما دفع جامعة جندي سابور للعلوم الطبية في الأحواز إلى مراجعة مسار العلاج والظروف المحيطة بالوفاة، قبل إحالة الملف إلى الجهات القضائية.
ويقول مسؤولو جامعة جندي شابور للعلوم الطبية في الأحواز إنهم رصدوا، قبل انتشار الروايات على وسائل التواصل الاجتماعي، «شبهة واحتمال وقوع مخالفة» أثناء مراجعة مسار علاج المريض ووفاته، وأحالوا القضية إلى وزارة الصحة والنيابة العامة. وبعد نحو أسبوعين من الواقعة، أُعلن، وفق نتائج بعض الفحوص، أن المرحلة الأولى من الاختبارات المتعلقة بالمتوفى جاءت سلبية، بينما قد تستغرق نتيجة فحص الأنسجة عدة أشهر.
وأعلنت النيابة العامة في اقليم الأحواز تدخلها في القضية، فيما جرى توقيف طبيبين مقيمين في السنة الأولى على ذمة التحقيق. وفي الوقت ذاته، ظهرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي شهادات تتحدث عن حالات أخرى داخل المستشفى، وربط بعضها بين الوفيات المذكورة وبين الحاجة إلى إخلاء أسرّة العناية المركزة.
قضية البوتاسيوم والحاجة إلى تحقيق مستقل
من أخطر ما ورد في الروايات المتداولة الشهادات بأن مرضى تعرضوا لحقن بالبوتاسيوم بهدف التسبب في وفاتهم وإخلاء أسرّة العناية المركزة.
وقد أشارت الجامعة إلى أن الفحوص الأولية المتعلقة بالدم لم تثبت وجود مواد أو أدوية غير متوقعة، بينما تستمر فحوص الأنسجة التي قد تقدم نتائج أكثر دقة. ومن ثم فإن انتظار نتائج الطب الشرعي والفحوص المتخصصة لا يمثل شرطاً أساسياً للوصول إلى استنتاج مسؤول، حيث في نظام مثل النظام الإيراني من الطبيعي ان تتدخل اجهزة الاستخارات والأيادي الخفية لتهديد الطب الشرعي لإعطاء نتائج تتناسب مع الرواية التي يريدونها ان تخرج إلى العلن.
لكن البعد الحقوقي للقضية لا يتوقف عند إثبات الجريمة من عدمه. فالمسألة الأساسية هي ضمان أن يكون التحقيق مستقلاً وشفافاً وشاملاً، وأن يشمل جميع الفرضيات، بما فيها الخطأ الطبي، والإهمال، والخلل الإداري، وسوء توزيع الموارد، وأي احتمال لفعل متعمد وممنهج.
الحق في الصحة في الأحواز تحت الضغط
تكشف ظروف مستشفى غلستان عن جانب آخر من القضية يرتبط مباشرة بالحق في الصحة.
فالمستشفى، الذي يضم مئات الأسرّة، يعمل في بيئة تتسم بالاكتظاظ والضغط ونقص الموارد البشرية، وفق شهادات وتصريحات مرتبطة بالقضية. كما أثيرت مسألة عدم كفاية أعداد الكوادر التمريضية مقارنة بعدد المرضى، وهو ما يضاعف العبء على العاملين ويزيد احتمالات الخطأ والإرهاق والتقصير.
ويضم مستشفى غلستان، نحو 700 سرير، ويعاني أصلًا من الاكتظاظ. كما تشير التقارير إلى أن نسبة العاملين إلى أعداد المرضى تُعد من المشكلات التي تواجه المستشفى.
وهنا لا ينبغي اختزال المشكلة في أداء طبيب أو ممرض بعينه. فإذا كان العاملون الصحيون يؤدون مهامهم في بيئة تعاني نقصاً مزمناً في الموارد، فإن المسؤولية المحتملة قد تمتد إلى مستوى الإدارة والتخطيط الصحي وتوزيع الإمكانات.
البعد الأحوازي للقضية
تكتسب القضية حساسية إضافية لأنها وقعت في الأحواز، حيث ظل قطاع الصحة والخدمات العامة مهملا بشكل متعمد وسياسة إيرانية مثبتة بحق الشعب العربي الأحوازي وكانت تلك السياسة ولازلت تؤثر بشكل كبير على أوضاع السكان العرب الأحوازيين.
لذلك اي حادثة طبية تحصل سيكون لها تفسير سياسي مرتبط بالتمييز العنصري ما لم تتوافر أدلة مستقلة وموثوقة تثبت عكس ذلك.
ولهذا فإن قضية غلستان تستحق أن تُدرس ليس باعتبارها ملفاً جنائياً منفصلاً فحسب، وإنما باعتبارها مناسبة لفحص أوسع لأوضاع الرعاية الصحية في الأحواز، ومدى المساواة في توزيع الموارد الطبية، ومستوى حماية المرضى، وآليات استقبال الشكاوى والتحقيق فيها.
إن أي تفاوت مزمن في الوصول إلى الخدمات الصحية أو في مستوى الموارد المتاحة للسكان يمكن أن يتحول من مشكلة إدارية إلى مسألة حقوق إنسان عندما يؤثر بصورة مباشرة في الحق في الحياة والسلامة الجسدية.
سوابق تزيد الحاجة إلى الشفافية
لا تأتي هذه القضية في فراغ. فقد سبق وأن حصلت أحداث بشأن ممارسات طبية بحق نساء، بما في ذلك إجراءات أو حقن يُقال إنها أثرت في القدرة على الإنجاب دون علم المعنيات، كما حدثت وفيات وصفت بأنها مشبوهة، ولا سيما في حالات بعض النشطاء والشعراء والسجناء بعد خروجهم من المستشفيات او السجون.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه الإغتيالات الشاعران ستار السياحي في الثاني عشر من نوفمبر عام 2012 وحسن الحيدري في العاشر من نوفمبر 2019. والمواطن بنيامين آلبوغبيش الذي توفي بظروف غامضة في مركز تابع للحرس الثوري بعد مرور شهر على اعتقاله أي يوم 26 يونيو/حزيران. وهنالك احداث وقضايا مماثلة عديدة قد حصلت في الأحواز.
المطالب الحقوقية
في ضوء المعطيات المتاحة، تبرز مجموعة من المطالب الأساسية التي ينبغي أن تكون جزءاً من أي معالجة جدية للقضية:
- إجراء تحقيق طبي وقضائي مستقل وشفاف في وفاة المريض، بعيداً عن أي تضارب في المصالح.
- نشر النتائج النهائية للتحقيق للرأي العام وعائلة المتوفى، ضمن الحدود التي تسمح بها القوانين وحماية الخصوصية.
- إخضاع جميع سجلات العلاج والأدوية والتمريض والمناوبة للمراجعة، وعدم حصر التحقيق في الأشخاص الموقوفين حالياً.
- التحقق من جميع الادعاءات المتعلقة بحالات وفاة أخرى داخل المستشفى، وعدم تجاهلها لمجرد أنها ظهرت عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
- فتح مراجعة شاملة لظروف العمل داخل أقسام العناية المركزة، بما في ذلك أعداد المرضى، والكوادر الطبية والتمريضية، ونسب الإشغال، وآليات توزيع الأسرّة.
- ضمان حق أسر المرضى في الوصول إلى المعلومات الطبية والقضائية المتعلقة بذويهم وفق القانون.
- التحقيق في أي ادعاءات سابقة تتعلق بانتهاكات صحية في الأحواز بصورة مستقلة، وعدم التعامل معها باعتبارها مجرد روايات سياسية.
- ضمان عدم تعرض الشهود أو المبلغين أو عائلات الضحايا للضغط أو الترهيب بسبب مطالبتهم بكشف الحقيقة.
الاستنتاج: القضية اختبار للحق في الحياة والعدالة في الأحواز
إن قضية مستشفى غلستان ليست مجرد ملف طبي ينتظر قراراً قضائياً؛ إنها اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات الإيرانية في الأحواز على حماية حق الإنسان في الحياة والصحة، وعلى إخضاع المؤسسات الصحية للمساءلة عندما تثار شبهات خطيرة بشأن سلامة المرضى او حياة الإنسان في الأحواز بشكل عام.
ولا يكفي أن تعلن السلطات فتح تحقيق أو توقيف طبيبين. فالمساءلة الحقيقية تبدأ من كشف الحقيقة كاملة: ماذا حدث داخل غرفة العناية المركزة؟ ما الذي أُعطي للمريض؟ من أصدر القرار؟ هل كان الإجراء متوافقاً مع البروتوكولات الطبية؟ هل توجد حالات أخرى؟ وهل كانت ظروف الاكتظاظ ونقص الكوادر جزءاً من المشكلة؟
والأهم من ذلك أن التحقيق ينبغي ألا يتحول إلى وسيلة لإغلاق الملف عبر تحميل المسؤولية لأفراد في أدنى السلم الوظيفي إذا كانت المشكلة، في حال ثبوتها، مرتبطة بخلل مؤسسي أو إداري أوسع.
أما على المستوى الأحوازي، فإن القضية تعيد طرح سؤال جوهري يتعلق بمساواة السكان في الحصول على الحق في الصحة وفي الحماية القانونية. فحين تتراكم الشكاوى المتعلقة بنقص الخدمات أو سوء المعاملة أو الوفيات المشبوهة، تصبح الشفافية والمساءلة ضرورة حقوقية، وليستا ترفاً إعلامياً.
إن الاختبار الحقيقي للسلطات ليس في نفي الاتهامات ولا في تأكيدها، وإنما في إثبات الحقيقة بصورة مستقلة وعلنية، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، ومعالجة الظروف المؤسسية التي قد تكون سمحت بوقوع الخلل، وضمان عدم تكراره.
وفي نهاية المطاف، فإن حماية حياة المرضى في الأحواز لا يمكن أن تكون منفصلة عن حماية حقوقهم الأساسية. وإذا كانت الدولة مسؤولة عن توفير الرعاية الصحية، فهي مسؤولة بالقدر نفسه عن ضمان أن تكون هذه الرعاية آمنة، عادلة، خاضعة للرقابة، وقابلة للمساءلة.
ومن هنا، فإن قضية غلستان ينبغي ألا تُغلق بمجرد انتهاء التحقيق في وفاة مريض واحد، او ثمانية آخرين، بل يجب أن تكون نقطة انطلاق لمراجعة أوسع لوضع القطاع الصحي في الأحواز، ولضمان أن لا يصبح نقص الموارد، أو ضعف الرقابة، أو غياب الشفافية، عوامل تهدد الحق الأساسي للإنسان في الحياة.