تشير التطورات الأخيرة إلى أن الصراع الأميركي ـ الإيراني دخل مرحلة جديدة تختلف نسبياً عن مرحلة الضربات العسكرية المباشرة، إذ تبدو واشنطن حالياً أكثر ميلاً إلى استخدام العقوبات والضغط الاقتصادي وتضييق هامش المناورة الاستراتيجي أمام طهران، مع إبقاء الخيار العسكري قائماً في حال تعرض القوات أو المصالح الأميركية لهجوم إيراني.

ويأتي هذا التحول في وقت يكرر فيه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان دعوته إلى إنهاء الحرب والعودة إلى مسار سياسي، بينما يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التشكيك في جدوى التوصل إلى اتفاق مع القيادة الإيرانية، والدفع باتجاه استمرار سياسة الضغط.

بحسب ما نقلته «أكسيوس» عن مسؤول أميركي ومصدر آخر مطلع، أبلغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال الأيام الأخيرة عدداً من نظرائه الأجانب بأن الولايات المتحدة لا تتوقع، في الوقت الراهن، شن هجمات جديدة على إيران. وبدلاً من ذلك، تركز الإدارة الأميركية على أدوات ضغط أخرى، وفي مقدمتها العقوبات الاقتصادية والعقوبات الثانوية.

وتأتي هذه السياسة ضمن حملة أوسع أعلنها وزير الخزانة سكوت بيسنت تحت مسمى «يوم اقتصادي حاسم»، وتشمل توسيع العقوبات الثانوية على الجهات والدول التي تتعامل اقتصادياً مع إيران. وتفيد التقارير الأميركية بأن هذه الاستراتيجية قد تستمر إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، قبل أن تعود احتمالات شن حملة عسكرية جديدة إلى دائرة البحث.

وبذلك، لا يبدو أن واشنطن تخلت عن خيار القوة، بل إنها تعيد ترتيب أدواتها: العقوبات والضغط في المقدمة، والقوة العسكرية في الخلفية كورقة ردع وتصعيد محتملة.

يشكل مضيق باب السلام/ هرمز أحد أهم عناصر هذه الاستراتيجية الأميركية. فواشنطن تسعى إلى تقليل قدرة إيران على استخدام الممر الملاحي كورقة ضغط على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

وفي هذا السياق، أعلن الرئيس دونالد ترامب أن جميع الألغام في المياه الدولية من مضيق باب السلام / هرمز أزيلت أو دُمّرت، محذراً من أن أي محاولة جديدة لزرع الألغام ستواجه برد أميركي. كما تشير التقارير الصحفية الأمريكية إلى أن عمليات إزالة الألغام تهدف إلى السماح بمرور أعداد أكبر من ناقلات النفط وتقليص النفوذ الإيراني على أسواق الطاقة وفي أي مفاوضات مستقبلية.

وفي الوقت نفسه، بدأت إيران وسلطنة عُمان بحث إطار لممر ملاحي مؤقت عبر المضيق، إلى جانب مشروع مشترك لإزالة الألغام، في مؤشر على أن الملف البحري يتحول تدريجياً من ساحة مواجهة عسكرية إلى ورقة تفاوضية ودبلوماسية.

في المقابل، يكرر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رسائل تدفع باتجاه إنهاء الحرب.

وقال بزشكيان إن «الحرب ليست دائماً حلاً»، مضيفاً أن العقدة التي يمكن حلها باليد لا ينبغي حلها بالأسنان. كما وصف إيران مجدداً بأنها «خرجت منتصرة من الميدان»، لكنه أكد في الوقت نفسه إمكانية تجاوز المرحلة الراهنة عبر «التدبير والتفكير».

وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية في ضوء تأكيد بزشكيان أن السلام لا يعني الثقة بالطرف الآخر. واستشهد في دفاعه عن خيار السلام بوصية علي بن أبي طالب رضي الله عنه  إلى مالك الأشتر، مشدداً على أن الصلح الذي يقترحه الخصم ويمكن أن يحقق مصلحة للناس والاستقرار لا ينبغي رفضه، مع ضرورة البقاء في حالة يقظة حتى بعد الاتفاق.

وتكشف هذه المواقف عن محاولة إيرانية للجمع بين مسارين متوازيين: فتح باب التسوية السياسية من جهة، والحفاظ على رواية الانتصار وعدم تقديم التفاوض باعتباره تراجعاً أو استسلاماً من جهة أخرى.

في المقابل، يتبنى بنيامين نتنياهو  رئيس وزراء إسرائيل موقفاً أكثر تشدداً. فقد رحب بالحملة الأميركية الجديدة للضغط الاقتصادي على إيران، وشكك في إمكانية التوصل إلى اتفاق دبلوماسي مع القيادة الإيرانية.

وبحسب تصريحاته، ناقش مع ترامب ثلاثة مسارات للتعامل مع إيران: التفاوض، والعمل العسكري، والحصار والضغط. إلا أن نتنياهو عبّر عن اعتقاده بأن التوصل إلى اتفاق مع القيادة الإيرانية غير ممكن، داعياً في الوقت نفسه إلى استمرار الضغط الأميركي.

وهنا تظهر إحدى أبرز نقاط التباين في المشهد الحالي: بينما يحاول بزشكيان إبقاء المسار السياسي مفتوحاً، يرى نتنياهو أن الضغط يجب أن يستمر وأن الاتفاق مع طهران غير موثوق أو غير قابل للتحقق.

المعطيات المتراكمة توحي بأن واشنطن لا تتجه في هذه المرحلة إلى إنهاء المواجهة، وإنما إلى تغيير شكلها.

فالهدف الأميركي يبدو قائماً على إضعاف الاقتصاد الإيراني، تقليص عائدات النفط، تأمين طرق الملاحة، وتفكيك بعض الأوراق التي تستطيع طهران استخدامها في الضغط على الأسواق الدولية، من دون تحمل كلفة الدخول فوراً في حرب عسكرية واسعة جديدة.

وهذا ينسجم مع ما نقلته «أكسيوس» عن مسؤول أميركي لخّص الاستراتيجية بالقول إن الولايات المتحدة لا تتفاوض مع إيران في الوقت الراهن، وإنما تضغط عليها، على أمل أن يؤدي الضغط في النهاية إلى عودة الإيرانيين إلى طاولة المفاوضات.

وفي هذا السياق، تبدو عمليات تأمين الممرات البحرية وإزالة الألغام جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى نزع القيمة التفاوضية من ورقة باب السلام/ هرمز. فإذا استطاعت واشنطن إبقاء جزء معتبر من صادرات الطاقة العالمية متدفقاً عبر المضيق أو تأمين مسارات بديلة، فإن قدرة إيران على استخدام إغلاق الممر كورقة ضغط ستتراجع.

 

هل نحن أمام هدنة طويلة أم استراحة محارب قبل جولة جديدة؟

 

المؤشرات الحالية لا تسمح بالقول إن خطر الحرب انتهى. الأدق أن واشنطن وطهران دخلتا مرحلة «لا حرب ولا اتفاق»: انخفاض وتراجع واضح  في العمليات العسكرية المباشرة، مقابل تصعيد اقتصادي وأمني وسياسي متواصل.

ومن المرجح أن تحاول إدارة ترامب استثمار هذه المرحلة لتحقيق مكاسب إضافية قبل العودة إلى التفاوض، فيما تراهن طهران على أن استمرار الضغط سيصبح مكلفاً لواشنطن وحلفائها، وأن الحاجة إلى استقرار أسواق الطاقة والملاحة ستعيد في النهاية فرض خيار التفاوض.

أما إسرائيل، بقيادة نتنياهو، فتدفع باتجاه إبقاء الضغط مرتفعاً، الأمر الذي قد يحد من قدرة واشنطن على تقديم تنازلات سريعة لإيران.

 

الاستنتاج

 

المرحلة الحالية تبدو أقرب إلى صراع ضغط ومساومة غير مباشر منها إلى حرب شاملة، لكن الهدوء لا يعني انتهاء الصراع.

واشنطن تحاول تحقيق ما عجزت الضربات العسكرية وحدها عن ضمانه: إضعاف إيران وإجبارها على التفاوض من موقع أكثر ضعفاً، مع تجنب كلفة حرب جديدة في الوقت الحالي. وفي المقابل، يسعى بزشكيان إلى استثمار نافذة الدبلوماسية، لكن من دون الاعتراف بأن إيران خرجت مهزومة أو أنها مطالبة بالثقة بالولايات المتحدة. لكن المشكلة الرئيسية هي ان الرئيس الإيراني لا يمتلك قرار السلام والحرب، وتصريحاته تبقى في إطار إعلان موقف في وسط صراع إرادات داخل النظام الإيراني.

ويكتسب عامل الزمن أهمية خاصة هنا. فإذا نجحت العقوبات في إحداث ضغط اقتصادي وسياسي متزايد، فقد تضطر طهران إلى العودة إلى المفاوضات بشروط أكثر صعوبة. أما إذا فشلت سياسة الضغط في تحقيق ذلك، أو نفذت إيران هجوماً مباشراً على القوات أو المصالح الأميركية، فإن الخيار العسكري يمكن أن يعود سريعاً إلى الواجهة.

وعليه، فإن المعركة المقبلة قد لا تكون معركة صواريخ وطائرات بقدر ما ستكون معركة قدرة على التحمل وامتلاك الأوراق التفاوضية. واشنطن تحاول تقليص الأوراق الإيرانية، وطهران تحاول الحفاظ عليها، بينما يبقى مضيق باب السلام الأحوازي  والقدرة على تصدير النفط أحد أهم الاختبارات التي ستحدد ميزان القوة في المرحلة المقبلة.

وفي هذه المعادلة، قد تكون دعوات بزشكيان إلى إنهاء الحرب مؤشراً على استعداد إيراني مبدئي للعودة إلى المسار السياسي، لكنها لا تكفي وحدها لفتح المفاوضات؛ إذ إن الفجوة بين شروط طهران، واستراتيجية الضغط الأميركية، وموقف نتنياهو لا تزال واسعة.
الخلاصة، لا تبدو واشنطن مستعدة حالياً لحرب جديدة، لكنها أيضاً ليست مستعدة لتسوية سريعة. إنها تفضّل الضغط حتى تتغير حسابات طهران، فيما تحاول إيران منع الضغط من التحول إلى استسلام سياسي. وبين المسارين، يبقى خطر الانزلاق إلى جولة عسكرية جديدة قائماً إذا فشلت سياسة الضغط والمساومة أو وقع حدث ميداني يغيّر قواعد الاشتباك.

 

المصدر: المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية، مع الاستناد في المعطيات المستجدة إلى تقارير أميركية وإيرانية ودولية حديثة.