من يملك اسم الخليج العربي حين يُمحى أصحاب الأرض من الرواية؟ كلما اشتد الخلاف حول اسم الخليج، ارتفع الصوت العربي مدافعًا عن تسميته التاريخية: الخليج العربي. تُفتح الخرائط، وتُستدعى الوثائق، وتبدأ معركة الاسم، ثم يهدأ السجال ويبقى سؤال أعمق لا ينبغي أن يهدأ: كيف ندافع عن عروبة الاسم فوق الماء، ثم يصيبنا التردد عندما تصل الجغرافيا إلى الأحواز؟ كيف تصبح كلمة «العربي» مسألة كرامة حين تُكتب فوق البحر، ثم تصبح كلمة «الأحواز» اسمًا يقترب منه بعض العرب بحذر؟ هنا لا تعود المشكلة مجرد خلاف على تسمية، وإنما تتحول إلى مشكلة تتعلق بالذاكرة والاتساق والشجاعة؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يقول إن هوية المكان مهمة فوق الماء، ثم يتعامل مع هوية الإنسان على اليابسة وكأنها قضية محرجة أو قابلة للتأجيل. لا يمكن الدفاع عن هوية الاسم فوق الماء، ثم الخوف من هوية الإنسان عندما نصل إلى اليابسة، فالخريطة لا تنتهي عند الساحل، والذاكرة لا تغرق عند البحر، والإنسان ليس أقل أهمية من الاسم الذي نختلف عليه.

هناك خريطة تُرسم على الورق، وهناك خريطة أخرى، أكثر خطورة، تُرسم داخل العقل. الخريطة الأولى تستطيع القوة أن تفرضها خلال فترة قصيرة، أما الثانية فتحتاج إلى سنوات طويلة من تغيير الأسماء، والمناهج، والخرائط، والخطاب، والتكرار، والصمت، حتى يأتي جيل لا يعود يرى ما صنعته القوة باعتباره حدثًا تاريخيًا، بل يتعامل معه باعتباره الشكل الطبيعي الوحيد للعالم. وهنا يتحقق أحد أخطر انتصارات الاحتلال؛ إذ لا يعود الأمر متعلقًا باحتلال الأرض وحدها، وإنما يتحول إلى احتلال للمخيلة أيضًا. فالاحتلال لا يكتفي بتغيير الواقع الموجود على الأرض، بل يسعى، مع مرور الزمن، إلى تغيير قدرة العقل على تذكر أن هذا الواقع كان يومًا مختلفًا. وعندما ينجح في ذلك، يصبح السؤال عن الماضي غريبًا، ويصبح الاسم الأصلي حساسًا، ويبدو الواقع الذي صنعته القوة وكأنه لم يكن يومًا على صورة أخرى. ومن هنا يمكن القول إن القوة لا تنتصر على الخريطة عندما ترسمها فقط، وإنما تنتصر بصورة أكثر عمقًا عندما تجعل الآخرين عاجزين عن تخيل أنها كانت يومًا مختلفة. وهذه هي الخريطة التي نخشى أن تكتمل، لأن اكتمالها لا يعني إضافة خط جديد إلى الورق، وإنما يعني إعادة ما حُذف إلى الوعي.

من هنا تدخل الأحواز في قلب سؤال الخليج، وليس في هامشه. فالأحواز ليست مجرد ورقة في خلاف إقليمي، وليست اسمًا بلا صاحب. إنها أرض لها أنهارها ومدنها وساحلها وأسماؤها وذاكرتها وتاريخها، وهي كذلك شعب حمل هذه الأرض في لغته وذاكرته وأسماء مدنه، وما زال صاحب الحق في تعريفها وتقرير مستقبله. ويظل عام 1925 نقطة محورية في هذا التاريخ، باعتباره العام الذي بدأت معه مرحلة الاحتلال الإيراني للأحواز، وانكسرت بعدها بنية سياسية قائمة، وتغيرت السلطة والأسماء وعلاقة صاحب الأرض بالقرار في أرضه. ومن يريد أن يفهم ما وقع لا يستطيع أن يبدأ من الخريطة التي جاءت بعد ذلك التحول، ثم يستخدمها دليلًا على أن التحول نفسه لم يقع. فالأمر الواقع لا يستطيع أن يصبح دليلًا على شرعية الطريقة التي صُنع بها، وما تفرضه القوة لا يتحول تلقائيًا إلى حقيقة تاريخية عادلة لمجرد أن أجيالًا اعتادت رؤيته.

وهنا تظهر المفارقة التي ينبغي أن تواجهها الذاكرة العربية بوضوح. فعندما يُكتب اسم آخر فوق الخليج، يشعر كثيرون بأن شيئًا من تاريخهم وهويتهم يُنتزع منهم، لكن عندما يصل الحديث إلى الأحواز يظهر الحذر والتردد. لماذا؟ إذا كان الاسم يحمل ذاكرة فوق الماء، فكيف يفقد الاسم معناه عندما نصل إلى المحمرة والفلاحية والحويزة ومعشور؟ وإذا كانت هوية المكان تستحق الدفاع عنها في البحر، فلماذا تصبح هوية أصحاب الأرض موضوعًا قابلًا للتأجيل على اليابسة؟ وإذا كان للعربي حق في الدفاع عن اسم الخليج، فلماذا يصبح العربي الأحوازي آخر من يُسمع صوته عندما يتعلق الأمر بتعريف أرضه وتاريخها ومستقبلها؟ هنا يتحول نقاش الخليج من مجرد معركة على كلمة إلى اختبار أعمق: هل ندافع عن الاسم لأننا نؤمن بحق الإنسان في ذاكرته وهويته، أم لأننا نريد فقط الانتصار في معركة لغوية ورمزية؟ فالاسم من دون الإنسان يبقى حبرًا، والجغرافيا من دون أصحابها تصبح مجرد رسم، والذاكرة التي تخاف من بعض أجزائها ليست ذاكرة مكتملة.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحققه الاحتلال الإيراني ليس فقط أن يفرض روايته على الأرض، وإنما أن يجعل الآخرين يترددون في سماع صاحب الأرض وهو يروي نفسه. أن يعرف العربي اسم الأحواز، لكنه يشعر بأن مجرد نطقه يحتاج إلى حساب، وأن تصبح القضية «حساسة»، وأن يبحث الإعلام عن الكلمات الأقل إزعاجًا حتى يختفي الإنسان الأحوازي من الجملة. والأخطر من ذلك أن يعتاد العقل الخريطة إلى درجة يتوقف معها عن طرح السؤال البسيط: كيف وصلت هذه الخريطة إلى صورتها الحالية أصلًا؟ عندها لا يحتاج الاحتلال إلى إسكات الجميع، لأن الخوف يكون قد تولى جزءًا من المهمة. وهنا يكمن أخطر انتصار للقوة: ليس أن تمنعك من معرفة الحقيقة، وإنما أن تجعلك تعرف أن هناك حقيقة تستحق البحث، ثم تخاف من الاقتراب منها. ومع مرور الوقت يتحول الخوف إلى عادة، وتتحول العادة إلى صمت، ويمنح الصمت الرواية الأقوى شيئًا لم تستطع القوة وحدها أن تمنحه لها، وهو مظهر الحقيقة الوحيدة.
 

ولهذا يجب أن يتغير ترتيب المعرفة عندما نريد أن نفهم الأحواز. لا ينبغي أن نبدأ من الخارج ثم نطلب من الأحوازي أن يثبت أن تجربته تتوافق مع ما قرأناه عنه، بل ينبغي أن نبدأ من أصحاب الأرض أنفسهم، وأن نستمع إلى الشعب العربي الأحوازي وهو يروي تاريخه وتجربته وما وقع لأرضه. ينبغي دراسة الأحواز قبل عام 1925، والنظر في نظام حكمها وإدارتها وعلاقاتها السياسية واقتصادها ومدنها وأسمائها، ثم دراسة ما حدث في ذلك العام وما الذي تغير بعده في السلطة واللغة والاقتصاد والذاكرة وعلاقة الإنسان الأحوازي بأرضه. فالوثيقة الخارجية، عندما تُستخدم، ليست مالكة للتاريخ، والأرشيف الأجنبي لا يمنح صاحب الأرض شرعية وجوده. أصحاب الأرض هم أصحاب الرواية، وما يأتي من الخارج يمكن أن يكون دليلًا يُفحص ويُقارن ويُناقش، لكنه لا يتحول إلى سلطة فوق الشعب الذي عاش الحدث. وهذا لا يعني أن رواية صاحب الأرض فوق الفحص أو النقد، وإنما يعني أن الفحص لا ينبغي أن يبدأ بطرده من تاريخه. نبدأ من الإنسان الأحوازي، ثم نستخدم الأدلة لفهم ما وقع له، لا أن نبدأ من الآخرين ثم نطلب منه أن يثبت أنه موجود داخل روايتهم. فالأحواز لا تبدأ من اعتراف خارجي، ولا من خريطة صنعتها القوة، وإنما تبدأ من أرضها وشعبها وذاكرة أصحابها.

ومن الضروري كذلك ألا تتحول الأحواز إلى قضية موسمية تُستدعى فقط عندما يشتد الخلاف مع طهران. فالشعب ليس أداة ضغط، والقضية ليست ذخيرة سياسية تُستخدم في أزمة ثم تُترك عندما تتغير الظروف. الإنسان الأحوازي لا يصبح صاحب حق عندما تحتاجه مصلحة إقليمية، وإنما هو صاحب حق قبل الأزمة وبعدها. ومن يتذكر الأحواز عندما يريد إضعاف خصمه، ثم ينساها عندما تتغير المصالح، لا يكون قد أعادها إلى الخريطة، بل يكون قد استخدم غيابها مرة أخرى. ونحن لا نطلب من العرب أن يقرروا مستقبل الأحواز، فهذا حق لا يملكه إلا الشعب العربي الأحوازي نفسه، وإنما تقع المسؤولية العربية في مكان آخر: ألا يتحول الصمت العربي إلى جزء من الآلية التي تُبقي هذا الشعب غائبًا عن تعريف نفسه أمام العالم.


 

إن الأحواز ليست اختبارًا لعاطفة العرب بقدر ما هي اختبار لاتساقهم. ولذلك لا تقع المسؤولية على الحكومات وحدها، بل تمتد إلى الجامعات ومراكز الدراسات والصحافة والكتّاب والمؤسسات الثقافية والحقوقيين والمجتمع المدني. ولا يُطلب من هذه المؤسسات أن تتحول إلى أدوات دعاية، بل يُطلب منها ما هو أكثر احترامًا لعقولها ودورها: أن تعرف، وأن تسأل، وألا تخاف. المطلوب أن تدخل الأحواز إلى مجال البحث العربي الجاد، وأن يُسمع الباحث والكاتب والشاهد الأحوازي مباشرة، وأن يُدرس تاريخ الأحواز وأسماء مدنها ولغتها واقتصادها ومياهها وبيئتها وأوضاع حقوق الإنسان فيها، وأن يصبح الإنسان الأحوازي مركز السؤال المتعلق بالأحواز لا هامشه. فالجامعة التي تخاف من السؤال تخسر شيئًا من معنى الجامعة، والصحافة التي تعرف الاسم ثم تتجنبه تساعد على تكريس الصمت، والمؤسسة الحقوقية التي تتحدث عن شعب قبل أن تسمع الشعب نفسه تبدأ من المكان الخطأ.

إذا كان الخليج العربي قضية تاريخ وهوية، فلا يمكن أن تكون الأحواز قضية يجوز أن يبتلعها الصمت. ويمكن للعرب أن يكتبوا «الخليج العربي» على ملايين الخرائط، لكن الاسم وحده لا يعيد الذاكرة. وقد ننتصر للكلمة فوق الماء، بينما تبقى الخريطة الثانية داخل العقل كما صنعتها القوة. وهنا تكتمل المفارقة؛ لأن السؤال لم يعد فقط: ما اسم البحر؟ وإنما يصبح: من يملك حق تعريف المكان؟ ومن يملك حق تعريف الإنسان؟ ومن يملك حق كتابة التاريخ؟

ولهذا فإن المطلوب ليس حربًا، ولا كراهية لشعب، ولا وصاية عربية على الأحواز، وإنما شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: كسر الخوف. قولوا: الأحواز. ادرسوا الأحواز. اسمعوا الشعب العربي الأحوازي، ولا تسمحوا للاحتلال الإيراني بأن يكون الصوت الوحيد الذي يتحدث عن الأرض التي احتلها، وعن أصحابها، وعن تاريخها وما وقع لهم. وينبغي أن تكون الحقيقة واضحة بلا مواربة: الأحواز أرض، والأحواز شعب، والشعب العربي الأحوازي ليس هامشًا على خريطة الخليج، ولا مادة داخل رواية الاحتلال الإيراني، بل هو صاحب أرض وذاكرة، وصاحب الحق في أن يقرر مستقبله بنفسه.

ولهذا أقول للعالم العربي، رسميًا ومدنيًا، ثقافيًا وأكاديميًا وحقوقيًا: لا نطلب منكم أن تتكلموا نيابةً عنا، وإنما نطلب منكم أن تكفوا عن الصمت الذي يسمح للآخر بأن يتحدث وحده عنا. افتحوا أبواب المعرفة، واكسروا الخوف من الاسم، وأعيدوا الإنسان الأحوازي إلى المكان الذي لا يجوز أن يُطرد منه: إلى رواية أرضه. فالاحتلال يستطيع أن يفرض خريطة على الأرض بالقوة، لكن لا ينبغي للعالم العربي أن يمنحه النصر الثاني، أي أن يحمل خريطته داخل عقله.

وهنا تكمن المسألة كلها. فالخليج العربي لا يحتاج إلى صوت أعلى فقط، وإنما يحتاج إلى ذاكرة أشجع، وإلى عقل يملك الجرأة على الوصول إلى نهاية السؤال. لأن الدفاع عن البحر لا يكتمل إذا خفنا من الأرض، والدفاع عن الاسم لا يكتمل إذا غاب الإنسان، والدفاع عن الذاكرة لا يكتمل إذا تركنا جزءًا منها خارج الكلام. ولهذا لا يمكن أن ندافع عن هوية الاسم فوق الماء، ثم نخاف من هوية الإنسان عندما نصل إلى اليابسة.

إن الخريطة العربية لن تكتمل بكثرة ما نكتب فوقها، وإنما تكتمل عندما نمتلك الشجاعة لنرى من حُذف منها، وكيف حُذف، ومن يملك حق العودة إلى الرواية. وهنا تقف الأحواز: أرضًا وشعبًا وذاكرةً لم تعد تقبل أن يكتبها غير أصحابها. فمن يريد أن يدافع عن اسم الخليج العربي، عليه أولًا أن يجيب عن السؤال الذي تخشاه الخريطة: كيف يكتمل اسم البحر، إذا بقي أصحاب الأرض خارج الرواية؟