مقدمة

دخلت المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية منذ أغسطس/آب 2026 مرحلة جديدة تختلف بصورة جوهرية عن جولات العقوبات التي عرفتها إيران خلال العقود الماضية. فلم تعد واشنطن تتحدث فقط عن عقوبات تستهدف أفراداً أو مؤسسات أو قطاعات محددة، وإنما عن محاولة بناء منظومة عزل اقتصادي ومالي واسعة تستهدف قدرة إيران على الوصول إلى النظام المالي العالمي، وبيع النفط، وتحويل عائداته، واستيراد السلع والمعدات، واستخدام شركات الشحن والتأمين والمصارف والوسطاء، بل وتستهدف أيضاً الدول والشركات التي توفر لطهران منافذ للاستمرار في التجارة.

وقد بلغ هذا التحول ذروته في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ووزير الخزانة سكوت بيسنت خلال الأيام الأخيرة. فترمب أطلق على المرحلة الجديدة وصف «D-Day الاقتصادي»، بينما أعلن بيسنت أن الولايات المتحدة تدخل «النهاية» في المواجهة مع إيران، واصفاً ما يبدأ في 24 أغسطس/آب بأنه «أعظم هجوم مالي» حشدته الولايات المتحدة ضد خصم، ومؤكداً أن واشنطن ستستخدم كامل الأدوات المتاحة لعزل إيران وقطع شرايينها الاقتصادية. كما أشار إلى أن الحملة ستتجه إلى الدول والجهات التي تستمر في شراء النفط الإيراني أو تسهيل التعاملات المالية والتجارية معه. (Reuters⁠)

وتأتي هذه السياسة بعد أشهر من الحرب والمواجهة العسكرية التي بدأت في فبراير/شباط، وألحقت أضراراً كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية والبنية الاقتصادية، في الوقت الذي بقي فيه مضيق باب السلام/ هرمز شبه مغلق أمام حركة الملاحة الطبيعية، وتراجعت صادرات النفط الإيرانية، وارتفع التضخم، وضعفت العملة، وتعرضت التجارة الخارجية لاضطرابات شديدة. وفي الوقت نفسه، انهار المسار السياسي الذي كان قد بدأ بمذكرة تفاهم في يونيو/حزيران، بعدما فشل الطرفان في الانتقال منها إلى اتفاق أوسع. (Reuters⁠)

وبذلك لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الولايات المتحدة ستفرض مزيداً من العقوبات على إيران، وإنما أصبح السؤال الأهم: هل تستخدم واشنطن الحصار الاقتصادي لإجبار طهران على تقديم تنازلات والعودة إلى التفاوض، أم لمنعها من إعادة بناء قدراتها العسكرية والنووية، أم أن الهدف أصبح دفع النظام نفسه نحو الانهيار؟ وإذا فشل الضغط الاقتصادي في تحقيق هذه الأهداف، فهل تصبح العودة إلى الخيار العسكري أكثر احتمالاً؟

 

من العقوبات إلى الحصار الاقتصادي الشامل

الحصار الاقتصادي في الحالة الإيرانية لا يمكن اختزاله في مجموعة جديدة من العقوبات. فالعقوبات التقليدية تستهدف عادة أفراداً أو مؤسسات أو قطاعات محددة، بينما تتجه السياسة الأمريكية الحالية إلى استهداف الدورة الاقتصادية بأكملها. والمقصود بذلك النفط والإيرادات، والبنوك والتحويلات، والشحن والتأمين، وشركات الوساطة، وشبكات الشركات الوهمية، والموانئ والمطارات، وحتى الدول التي توفر لإيران طرقاً بديلة للتجارة.

وهذا التحول مهم لأن إيران استطاعت طوال سنوات العقوبات السابقة بناء منظومة معقدة للالتفاف عليها. فقد استخدمت شركات واجهة، وناقلات تغير أعلامها، وأنظمة لإخفاء حركة السفن، وعمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى، ووسطاء في دول ثالثة، وعملات محلية، والمقايضة بدلاً من التسويات بالدولار. وبالتالي فإن العقوبات التي تستهدف إيران مباشرة لا تكفي بالضرورة لمنع التجارة؛ إذ يمكن لطهران أن تبحث عن طرف آخر مستعد لتحمل المخاطر.

أما العقوبات الثانوية، فتستهدف الطرف الآخر نفسه. فإذا كانت شركة صينية أو إماراتية أو تركية قادرة على التعامل مع إيران، فإن السؤال يصبح: هل تستطيع هذه الشركة تحمل خطر فقدان الوصول إلى السوق الأمريكية أو النظام المالي المرتبط بالدولار؟ وهنا تتحول القوة المالية الأمريكية من وسيلة لمعاقبة إيران إلى وسيلة لإجبار الآخرين على تقليص تعاملهم معها.

وهذا تحديداً ما يعطي تصريحات بيسنت الأخيرة أهميتها. فقد قال إن واشنطن ستتوجه إلى حلفائها وإلى بقية الدول في محاولة لبناء «أكبر عزل اقتصادي منسق في تاريخ العالم»، مستخدماً لغة تقوم على ثنائية واضحة: التعاون مع الولايات المتحدة أو مواجهة العواقب. كما أن بيسنت لم يكتف بالحديث عن مشتري النفط، بل تحدث عن ضرورة قطع كل شريان اقتصادي يسمح للنظام الإيراني بالاستمرار. (The Business Times⁠)

ومن الناحية العملية، يعني ذلك أن واشنطن تريد الانتقال من معاقبة المتعامل مع إيران إلى معاقبة من يساعد إيران على البقاء قادرة على التعامل مع العالم. ولهذا تشمل الحملة الجديدة، بحسب التصريحات والتقارير المرتبطة بها، شراء النفط ونقله، والخدمات المالية، والتأمين، وسجلات السفن، والتحويلات، وشركات الوساطة، والجهات التي تساعد على عمليات النقل البحري أو تمويل التجارة. (Iran International⁠)

وهذا يفسر أيضاً استخدام ترامب وبيسنت تعبير «D-Day الاقتصادي». فالمصطلح يشير تاريخياً إلى إنزال قوات الحلفاء في نورماندي في 6 يونيو/حزيران 1944، والذي أصبح نقطة تحول رئيسية في الحرب العالمية الثانية على الجبهة الغربية. وعندما يستخدم الرئيس الأمريكي التعبير لوصف العقوبات، فهو يريد تقديمها باعتبارها هجوماً اقتصادياً حاسماً وليس جولة جديدة من الضغط التدريجي. وقد استخدم بيسنت التعبير نفسه، واصفاً العملية بأنها «أعظم هجوم مالي» حشدته الولايات المتحدة ضد خصم. (Reuters⁠)

 

النفط والمال والتجارة؛ كيف يعمل الحصار داخل الاقتصاد الإيراني؟

يبقى النفط نقطة الاختناق الأساسية في الاقتصاد الإيراني، ليس لأنه المصدر الوحيد للدخل، وإنما لأنه المصدر الأهم للعملة الأجنبية التي تحتاج إليها الدولة لتمويل الواردات ودعم العملة والإنفاق العام.

وتظهر البيانات الحالية مدى شدة الضربة. فقد أفادت رويترز بأن صادرات النفط الإيرانية انخفضت إلى نحو 534 ألف برميل يومياً في أغسطس/آب 2026، مقارنة بمتوسط يقارب 1.4 مليون برميل يومياً في 2025. كما تراجعت عروض النفط الإيراني المتاحة للمشترين الصينيين بصورة كبيرة، وأصبحت بعض المصافي الصينية تبحث عن بدائل من البرازيل والعراق. وفي الوقت نفسه، انخفضت كمية النفط الإيراني المخزنة عائماً من نحو 105 ملايين برميل إلى قرابة 80 مليون برميل، مع بقاء نحو 30 مليون برميل فقط في المياه الآسيوية، وفق مصادر تجارية نقلتها رويترز. (Reuters⁠)

وهذه الأرقام مهمة لأنها تكشف أن المشكلة لم تعد مجرد احتمال انخفاض الصادرات، بل أصبحت مشكلة في القدرة الفعلية على إخراج النفط من إيران وبيعه ونقله وتسويته مالياً.

وتزداد خطورة الأمر إذا أخذنا في الاعتبار تصريحات محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي بشأن توقف صادرات النفط، وصعوبة الوصول إلى الأصول والاحتياطيات الإيرانية المجمدة. فحتى إذا استطاعت إيران الاحتفاظ بجزء من قدرتها الإنتاجية، فإن عدم قدرتها على تحويل النفط إلى موارد مالية قابلة للاستخدام يخلق مشكلة مختلفة تماماً.

وهنا يصبح الحصار موجهاً إلى سلسلة القيمة بأكملها. فالنفط يحتاج إلى ناقلة، والناقلة تحتاج إلى تأمين، والصفقة تحتاج إلى وسيط، والعائدات تحتاج إلى بنك أو نظام تسوية، والسلع المستوردة تحتاج إلى دفع وشحن وتأمين. فإذا تمكنت واشنطن من تعطيل هذه الحلقات بصورة متزامنة، فإن إيران قد تجد نفسها أمام معضلة لا تتمثل في عدم امتلاك النفط، وإنما في عدم القدرة على تحويل النفط إلى قوة اقتصادية.

وتنتقل آثار ذلك سريعاً إلى العملة. فتراجع تدفق الدولار يؤدي إلى زيادة الضغط على الريال، وارتفاع تكلفة الاستيراد، ثم ارتفاع أسعار السلع، قبل أن ينتقل الضرر إلى الإنتاج والاستثمار والتوظيف. الشركات التي تعتمد على المواد الخام أو قطع الغيار أو المعدات المستوردة تواجه تكاليف أعلى، وقد تضطر إلى تقليص الإنتاج، بينما تصبح الدولة نفسها أمام مشكلة تمويل الموازنة والخدمات.

وتشير أحدث البيانات إلى أن التضخم السنوي في إيران بلغ 66% في يوليو/تموز 2026، فيما ارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 87.9% على أساس سنوي، ووصل تضخم الغذاء إلى 128%، وفق بيانات مركز الإحصاء الإيراني التي نقلتها رويترز. كما ارتفعت الإيجارات بنحو 31% على أساس سنوي في مارس/آذار، بينما تراجعت القيمة الدولارية للحد الأدنى للأجور من نحو 105 دولارات إلى 86 دولاراً منذ أواخر مارس/آذار. (Reuters⁠)

وهكذا تتحول الحرب الاقتصادية من أزمة في قطاع النفط إلى أزمة في الدورة الاقتصادية كلها: العملة تتراجع، والواردات تصبح أغلى، والتضخم يرتفع، والإنتاج يتقلص، والاستثمار يتراجع، والقدرة الشرائية للأسر تتآكل.

لكن نقطة القوة الإيرانية تكمن في أن الاقتصاد اعتاد هذه الظروف. فقد طورت طهران خلال عقود آليات للمقايضة، واستخدام العملات المحلية، والتجارة غير الرسمية، وشركات الواجهة، والطرق البرية، والشبكات التجارية البديلة. لذلك فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كانت العقوبات ستضر الاقتصاد ــ فهي تفعل ذلك بالفعل ــ وإنما ما إذا كانت واشنطن تستطيع تعطيل آليات التكيف نفسها.

الصين والإمارات وتركيا والعراق وروسيا والهند؛معركة المنافذ الخارجية

لا يمكن فهم الحصار الأمريكي من دون النظر إلى الدول التي تمثل منافذ إيران إلى الاقتصاد العالمي. فالحرب الاقتصادية ليست مواجهة ثنائية بين واشنطن وطهران، وإنما معركة على الدول التي يمكن أن تملأ الفراغ الذي تتركه العقوبات.

وتأتي الصين في مقدمة هذه الدول. فقد استوعبت أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحراً، وكان متوسط مشترياتها من النفط الإيراني يقارب 1.38 مليون برميل يومياً في 2025 وفق بيانات نقلتها رويترز. ولهذا فإن استمرار الصين في شراء النفط كان أحد أهم أسباب قدرة إيران على تخفيف آثار العقوبات السابقة. (Reuters⁠)

لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا المنفذ بدأ يتعرض لضغط شديد. فقد انخفضت عروض النفط الإيراني للمشترين الصينيين، وأصبحت الشحنات المتاحة في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول أقل، فيما اضطرت بعض المصافي الصينية الصغيرة إلى البحث عن بدائل. وفي الوقت نفسه، تؤكد بكين رفضها للعقوبات الأحادية والضغط كوسيلة لحل الأزمة. (Reuters⁠)

وهنا تظهر المعضلة الأمريكية الكبرى: تستطيع واشنطن فرض عقوبات على شركة صينية، لكنها إذا حاولت فرض عقوبات واسعة على الصين نفسها فإن القضية الإيرانية تتحول إلى مواجهة اقتصادية واستراتيجية أكبر بكثير. ولذلك فإن الصين تمثل في الوقت نفسه أكبر فرصة لنجاح الحصار وأكبر عقبة أمام اكتماله.

أما الإمارات، فتكتسب أهمية مختلفة. فهي ليست مجرد مشترٍ أو بائع، وإنما كانت مركزاً تجارياً ولوجستياً ومالياً مهماً بالنسبة إلى إيران، ووفرت لسنوات جزءاً من عمليات إعادة التصدير والتجارة التي تساعد طهران على الوصول إلى السلع والأسواق الخارجية. ولذلك فإن قرار الإمارات تعليق التجارة والمعاملات المالية مع إيران يمثل ضربة مباشرة لأحد أهم المنافذ الاقتصادية الإيرانية. وقد وصفت أسوشيتد برس الإمارات بأنها كانت مركزاً مهماً لإعادة التصدير بالنسبة إلى إيران، وأن تعليق التجارة معها يقطع منفذاً اقتصادياً مهماً. (AP News⁠)

أما تركيا والعراق، فتكمن أهميتهما في الحدود البرية. فكلما أصبح البحر أكثر صعوبة، ازدادت قيمة الطرق البرية في تأمين السلع والتجارة. وتظهر بيانات منظمة التجارة العالمية لعام 2024 أن الصين والإمارات وتركيا والعراق كانت من أهم الشركاء التجاريين لإيران، وهو ما يوضح أن قدرة إيران على الصمود لا تتوقف على النفط وحده، بل على شبكة كاملة من العلاقات التجارية. (World Trade Organization⁠)

وتشير البيانات التجارية التي اعتمدت عليها الدراسة إلى أن الإمارات كانت من أكبر مصادر الواردات الإيرانية، بينما كانت الصين والعراق والإمارات وتركيا من أهم وجهات الصادرات. ومع ذلك، ينبغي التعامل بحذر مع الأرقام السنوية المختلفة بسبب اختلاف قواعد احتساب التجارة، واختلاف السنة المالية الإيرانية عن السنة الميلادية، واضطراب حركة التجارة خلال الحرب.

أما روسيا، فدورها أقل من الصين من حيث الحجم التجاري، لكنه مهم استراتيجياً بسبب إمكانية استخدام بحر قزوين والممرات البرية والطرق المرتبطة بآسيا الوسطى لتقليل الاعتماد على الخليج. والهند، من جانبها، أصبحت أقل أهمية مما كانت عليه قبل سنوات بسبب العقوبات الأمريكية وتغير مصادر الطاقة الهندية، وهو ما يعني أن قدرة إيران على الاعتماد على مجموعة واسعة من الشركاء أصبحت أضعف.

ومن هنا يتضح أن نجاح الحصار لا يحتاج إلى إغلاق كل التجارة الإيرانية. يكفي أن تصبح أهم المنافذ ــ الصين والإمارات والطرق البرية عبر تركيا والعراق ــ أكثر كلفة ومخاطرة. فإذا تمكنت واشنطن من ذلك، فإن إيران ستواجه حصاراً مختلفاً جذرياً عن العقوبات السابقة.

الحصار داخل إيران؛ من أزمة اقتصادية إلى ضغط اجتماعي وسياسي

تبدأ آثار الحصار من النفط والعملة، لكنها تنتهي عند المجتمع. فالارتفاع الكبير في الأسعار وتراجع القوة الشرائية لا يبقيان مجرد مؤشرات اقتصادية. فهما يؤثران في قدرة الأسرة على شراء الغذاء، وفي قدرة العامل على الحفاظ على مستوى معيشته، وفي قدرة الحكومة على دفع الرواتب، وفي قدرة الشركات على الاستمرار.

وتشير رويترز إلى أن الأسر الإيرانية بدأت تقلل استهلاك اللحوم والسلع الأساسية، بينما تتآكل الأجور بفعل التضخم. كما أن ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 128% سنوياً يعني أن الأزمة لم تعد مجرد انخفاض في الدخل، وإنما ارتفاعاً شديداً في تكلفة الاحتياجات الأساسية. (Reuters⁠)

وهنا تكمن أخطر نقطة سياسية في الحصار. فالنظام الإيراني يستطيع تحمل خسارة جزء من الإيرادات النفطية، وربما يستطيع تقليص الإنفاق الاستثماري، لكنه يجد صعوبة أكبر في التعامل مع مجتمع يشعر بأن قدرته على تأمين الغذاء والسكن والطاقة والعمل تتراجع بسرعة.

ولهذا تخشى القيادة الإيرانية من أن يتحول الضغط الاقتصادي إلى احتجاجات جديدة. وتشير رويترز إلى أن مسؤولين ومطلعين إيرانيين يرون أن تدهور الظروف المعيشية قد يعيد إشعال احتجاجات واسعة، في وقت اتخذت فيه الحكومة إجراءات أمنية أكثر تشدداً استعداداً لاحتمال تجدد الاضطرابات. (Reuters⁠)

لكن الأزمة الاقتصادية لا تؤدي تلقائياً إلى سقوط النظام. فالتاريخ الإيراني يبين أن العقوبات يمكن أن تضعف الاقتصاد بشدة من دون أن تؤدي بالضرورة إلى تغيير سياسي. ويعود ذلك إلى قدرة الدولة على إعادة توزيع الموارد المحدودة على القطاعات التي تعتبرها ضرورية لبقائها، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية والعسكرية، إضافة إلى قدرة النظام على استخدام الاقتصاد غير الرسمي وشبكات التجارة البديلة.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل يستطيع النظام الاستمرار في دفع الرواتب وتمويل مؤسساته الأمنية والعسكرية وتأمين السلع الأساسية؟ إذا كانت الإجابة نعم، فقد يستطيع تحمل مستويات مرتفعة من الضرر الاقتصادي. أما إذا أصبحت الأزمة تمنع الدولة نفسها من أداء وظائفها الأساسية، فإنها تنتقل إلى مستوى يهدد بقاء النظام.

ولهذا تكتسب تصريحات المسؤولين الإيرانيين أهمية خاصة. فمحافظ البنك المركزي تحدث عن توقف صادرات النفط وصعوبة الوصول إلى الأصول، والرئيس مسعود بزشكيان تحدث عن صعوبات التجارة والاستيراد، فيما حذر رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف من أن القوة العسكرية لا تكفي إذا كان الشعب يعاني من الجوع ولا يوجد نمو وإنتاج وتداول مالي. وهذه التصريحات تكشف أن داخل النظام نفسه إدراكاً بأن الاقتصاد أصبح جزءاً من معادلة الأمن القومي وبقاء الدولة.

وفي الوقت نفسه، يبقى هناك اختلاف في وظيفة الخطاب الرسمي. فوزارة الخارجية تقدم العقوبات باعتبارها «إرهاباً اقتصادياً» وسياسة فاشلة، بينما يتحدث المسؤولون الاقتصاديون عن نقص العملات والتجارة والنفط. وهذا ليس بالضرورة تناقضاً؛ فالخطاب السياسي موجه إلى الخارج والجمهور لتأكيد الصمود، بينما يتعامل الخطاب الاقتصادي مع مشكلة عملية يجب على الدولة إدارتها.

من تغيير السلوك إلى تغيير النظام: ماذا تريد واشنطن وتل أبيب فعلاً؟

تتضح دلالة التصعيد الأمريكي الاقتصادي تجاه إيران بصورة أكبر عندما نضعه في إطار السؤال الأكثر جوهرية: هل ما تريده واشنطن هو تغيير سلوك النظام الإيراني، أم أن الهدف بدأ يتجاوز ذلك إلى تغيير النظام نفسه؟ فالفارق بين الهدفين ليس شكلياً، بل يعكس تحولاً استراتيجياً كاملاً في طبيعة المواجهة وأدواتها ونتائجها المتوقعة.

إذا كان الهدف الأمريكي هو تغيير السلوك الإيراني، فإن العقوبات تكون في الأساس أداة تفاوضية وضاغطة. تستطيع واشنطن استخدامها لإجبار طهران على تقديم تنازلات في الملفات النووية والصاروخية، وفي ما يتعلق بنفوذها الإقليمي، وكذلك في أمن الممرات والمضائق البحرية، بما في ذلك مضيق هرمز، ثم تخفيف العقوبات أو رفعها جزئياً أو كلياً إذا تم التوصل إلى اتفاق يحقق المطالب الأمريكية.

أما إذا كان الهدف قد انتقل إلى تغيير النظام الإيراني نفسه، فإن منطق العقوبات يصبح مختلفاً جذرياً. عندها لا تعود العقوبات مجرد وسيلة لدفع طهران إلى طاولة المفاوضات، وإنما تتحول إلى جزء من استراتيجية تستهدف إضعاف الدولة اقتصادياً إلى مستوى يمكن أن يؤدي إلى أزمة اجتماعية وسياسية عميقة، ثم تحويل هذه الأزمة إلى انقسام داخل النخبة الحاكمة، أو اضطراب داخلي، أو تآكل تدريجي في قدرة مؤسسات الدولة على أداء وظائفها، وصولاً إلى إضعاف النظام وتهيئة الظروف التي قد تقود إلى سقوطه.

وفي هذا السياق تحديداً، تكتسب تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت الأخيرة أهمية استثنائية. فالرجل لم يقدّم الحملة الاقتصادية باعتبارها مجرد وسيلة للضغط على الاقتصاد الإيراني أو انتزاع تنازلات محددة، بل تحدث عن عزل النظام وقطع كل شريان اقتصادي يسمح له بالاستمرار، وكتب أن الهدف هو أن تبقى طهران معزولة حتى تقف وحدها. وهذه اللغة تتجاوز، في دلالتها السياسية، مفهوم العقوبات التقليدية الهادفة إلى تعديل سلوك دولة، وتقترب من استراتيجية تستهدف قدرة النظام ذاته على البقاء والاستمرار.

وتزداد دلالة هذا الأمر إذا أُخذت في الاعتبار ما أوردته تقارير عن مقابلات سابقة لبيسنت، أشارت إلى أن الحملة الاقتصادية يمكن أن تقلل الحاجة إلى عملية عسكرية أمريكية واسعة جديدة. وهذا يعني أن واشنطن قد تنظر إلى الضغط المالي ليس فقط باعتباره أداة موازية للقوة العسكرية، وإنما باعتباره بديلاً أو مكملاً لها؛ أي استخدام الاقتصاد لإدامة نتائج القوة العسكرية واستنزاف قدرة إيران على التعافي وإعادة بناء قدراتها. (IranWire)

وهنا يصبح الحصار الاقتصادي جزءاً من استراتيجية أوسع من مجرد العقوبات. فالضربة العسكرية، في جوهرها، تقول لإيران إن الولايات المتحدة قادرة على تدمير قدراتها العسكرية والنووية، بينما يقول الحصار الاقتصادي إن واشنطن قادرة أيضاً على منع إيران من إعادة بناء تلك القدرات.

وهذه النقطة تفسر بصورة مباشرة العلاقة بين الحرب العسكرية والحرب الاقتصادية. فإعادة بناء أي منشأة عسكرية أو نووية، أو إصلاح البنية التحتية التي تعرضت للضرب، يحتاج إلى الأموال والتكنولوجيا والمعدات وقطع الغيار وسلاسل الإمداد. وإذا تمكنت الولايات المتحدة من منع إيران من الوصول إلى هذه الموارد، فإنها تستطيع إطالة الأثر الاستراتيجي للضربة العسكرية عبر الاقتصاد، وتحويل الضرر العسكري المؤقت إلى استنزاف طويل الأمد يصعب على النظام تجاوزه.

لكن الأهم أن هذه الاستراتيجية الاقتصادية لا يمكن فصلها عن الخطاب الإسرائيلي المتعلق بمستقبل النظام الإيراني. فقد اكتسبت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة أهمية خاصة في هذا السياق، بعدما انتقل الخطاب الإسرائيلي من الإشارة إلى احتمال سقوط النظام إلى الحديث بصورة أكثر مباشرة عن العمل من أجل إسقاطه. فقد أكد نتنياهو أن النظام الإيراني «يترنح»، وأنه أصبح أضعف من أي وقت مضى، وأنه يقاتل من أجل بقائه، مشدداً على أن إسقاط النظام يمثل الهدف المركزي لإسرائيل، وأن تحقيقه لم يعد أمراً بعيد المنال أو مستحيلاً.

كما أكد نتنياهو في تصريحات أخرى أن أجهزة الدولة الإسرائيلية تعمل على إسقاط النظام وهزيمته. وهذه التصريحات مهمة لأنها تعكس تحولاً في اللغة السياسية الإسرائيلية: فإسقاط النظام لم يعد يُطرح فقط بوصفه نتيجة محتملة للضغط العسكري أو تدهور الوضع الداخلي الإيراني، وإنما أصبح يُقدَّم باعتباره هدفاً سياسياً واستراتيجياً يجري العمل باتجاه تحقيقه بصورة مباشرة.

وبالتالي، فإن جمع التصريحات الأمريكية مع التصريحات الإسرائيلية يطرح مؤشراً مهماً على تغير طبيعة الأهداف. فانتقال الخطاب الإسرائيلي من احتمال سقوط النظام إلى الحديث الصريح عن العمل على إسقاطه، بالتزامن مع سياسة أمريكية تهدف إلى عزل إيران وقطع الشرايين الاقتصادية التي تسمح للنظام بالاستمرار، يمكن قراءته باعتباره مؤشراً على أن تغيير النظام الإيراني لم يعد مجرد احتمال ثانوي في حسابات المواجهة، وإنما أصبح هدفاً سياسياً واستراتيجياً يجري التعامل معه بقدر أكبر من الوضوح.

وبهذه القراءة، فإن التحرك الأمريكي–الإسرائيلي يبدو وكأنه يعمل على مستويين متكاملين: القوة العسكرية من جهة، والضغط الاقتصادي والاستنزاف من جهة أخرى. فالعمل العسكري يهدف إلى إضعاف القدرات الإيرانية وتدمير جزء من البنية العسكرية والنووية، بينما يعمل الضغط الاقتصادي على حرمان النظام من الموارد اللازمة للتعافي وإعادة بناء ما تم تدميره. وإذا تزامن ذلك مع استمرار الضغوط الاجتماعية والسياسية الداخلية، فإن النتيجة المرجوة ــ وفق هذا المنطق ــ قد لا تكون مجرد إجبار طهران على تقديم تنازلات، وإنما الوصول إلى نقطة يصبح فيها النظام نفسه عاجزاً عن الحفاظ على تماسكه وقدرته على الحكم.

وهنا تحديداً يظهر الفارق بين استراتيجية تغيير السلوك واستراتيجية تغيير النظام. ففي الحالة الأولى، تحتاج واشنطن إلى إبقاء باب التسوية مفتوحاً؛ لأن الغاية النهائية هي الحصول على تنازلات ثم الوصول إلى اتفاق. أما في الحالة الثانية، فإن استمرار الضغط حتى بلوغ مرحلة الإنهاك يصبح جزءاً من الهدف نفسه، لأن المطلوب ليس فقط تغيير قرارات القيادة الإيرانية، وإنما تغيير البيئة السياسية التي تسمح للنظام بالبقاء.

غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في الوقت نفسه مشكلة استراتيجية كبيرة. فإذا اقتنعت القيادة الإيرانية بأن الهدف الأمريكي لم يعد مجرد تعديل سلوكها أو إجبارها على تقديم تنازلات، وإنما إسقاط النظام نفسه، فقد تصبح أقل استعداداً للتفاوض وأكثر ميلاً إلى المواجهة.

فإذا خلص النظام الإيراني إلى أن تقديم التنازلات لن يضمن بقاءه، فقد يرى أن المقاومة حتى النهاية أكثر عقلانية من تقديم تنازلات لا تغير النتيجة النهائية. وبعبارة أخرى، فإن العقوبات والضغوط يمكن أن تدفع دولة إلى التفاوض عندما يكون هناك مخرج سياسي واضح يمكن أن يضمن لها الحفاظ على جزء من مصالحها وأمن نظامها، لكنها قد تدفعها إلى التشبث بالمواجهة إذا لم يعد هذا المخرج السياسي يبدو كافياً لضمان بقائها.

ومن هنا قد يؤدي رفع سقف الهدف الأمريكي من تغيير السلوك إلى تغيير النظام إلى نتيجة عكسية. فكلما أصبح الهدف المعلن أو المستنتج هو إسقاط النظام، ازدادت احتمالات أن تنظر القيادة الإيرانية إلى الصراع باعتباره معركة وجود لا مفاوضات حول ملفات محددة. وعندها يصبح التراجع بالنسبة إليها ليس مجرد خسارة في ملف نووي أو صاروخي أو إقليمي، وإنما خطوة قد تقرّب نهاية النظام نفسه.

وعليه، فإن السؤال الأساسي لم يعد فقط: ما الذي تريد واشنطن من إيران أن تفعله؟ بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: هل تريد واشنطن وتل أبيب من إيران أن تغيّر سلوكها، أم تريدان تغيير الجهة التي تحكم إيران أصلاً؟

إن جمع التصعيد العسكري، والحملة الاقتصادية الرامية إلى عزل طهران وقطع مواردها، والتصريحات الأمريكية التي تربط الضغط المالي بإضعاف الحاجة إلى عملية عسكرية واسعة، مع الانتقال الواضح في الخطاب الإسرائيلي إلى الحديث عن إسقاط النظام باعتباره هدفاً مركزياً، يقدم أساساً قوياً لقراءة مفادها أن احتمال انتقال الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية من احتواء النظام الإيراني أو تغيير سلوكه إلى السعي لإضعافه وصولاً إلى إسقاطه أصبح احتمالاً جدياً ينبغي أخذه في الحسبان.

لكن إثبات أن إسقاط النظام هو الهدف النهائي والمعلن للسياسة الأمريكية يحتاج، في المقابل، إلى التمييز بين التصريحات الإسرائيلية المباشرة، والمؤشرات الأمريكية، والاستنتاج الاستراتيجي الناتج عن جمع هذه المعطيات. فالمؤشرات قد تكون قوية ومتضافرة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن واشنطن أعلنت رسمياً وبصورة صريحة أن إسقاط النظام الإيراني هو هدفها النهائي.

ومع ذلك، فإن الاتجاه العام يبدو واضحاً: كلما تداخل الضغط العسكري مع الخنق الاقتصادي، وكلما انتقل الخطاب الإسرائيلي من إضعاف النظام إلى الحديث المباشر عن إسقاطه، يصبح من الصعب تفسير الحملة الحالية باعتبارها مجرد محاولة تقليدية لتغيير السلوك الإيراني. وقد يكون الهدف الأوسع هو إحداث تغيير استراتيجي في إيران نفسها، سواء عبر الضغط على النظام للقبول بتسوية شاملة، أو عبر إضعافه إلى الحد الذي تصبح فيه قدرته على الاستمرار موضع شك.

 

انهيار المسار السياسي ومضيق هرمز؛ عندما يتحول الاقتصاد إلى أداة حرب

لا يمكن فهم الحصار الجديد من دون وضعه في سياق انهيار المسار السياسي الذي بدأ في يونيو/حزيران. فقد وقعت الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو/حزيران 2026 مذكرة تفاهم مؤقتة كان يفترض أن تفتح الطريق أمام اتفاق أوسع خلال 60 يوماً، وشملت التفاهمات وقف العمليات العسكرية وفتح مسار لمعالجة الملف النووي ومضيق هرمز والعقوبات والأصول الإيرانية المجمدة. لكن الخلافات تصاعدت، وأعلنت واشنطن في يوليو/تموز أن الاتفاق انتهى، بينما تمسكت إيران بشروطها المتعلقة برفع الحصار والعقوبات والإفراج عن الأصول. (Reuters⁠)

وفي أغسطس/آب أعلنت طهران أن مضيق هرمز سيظل مغلقاً إلى أن تلتزم الولايات المتحدة بشروط التفاهم، في وقت أصبح فيه المرور عبر المضيق محدوداً للغاية. وكان المضيق قبل الأزمة ممراً لنحو خُمس حركة النفط والغاز العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب طويل فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والشحن والتأمين. (Reuters⁠)

وهنا تظهر المفارقة الأساسية في الحرب الاقتصادية. فالولايات المتحدة تريد استخدام الحصار البحري لخفض قدرة إيران على بيع النفط، لكن إيران تستطيع استخدام موقعها الجغرافي لرفع تكلفة الحصار على العالم.

وقد هددت طهران، في ظل التصعيد الحالي، بوقف صادرات النفط من الخليج إذا استمرت «الحرب الاقتصادية»، وهو تهديد يتجاوز النفط الإيراني إلى صادرات دول الخليج الأخرى. وإذا تحقق هذا التهديد، فإن الحصار يتحول من أداة تستهدف إيران إلى أزمة عالمية في الطاقة. (Reuters⁠)

وقد انعكس ذلك بالفعل على الأسواق. ففي 18 أغسطس/آب تجاوز سعر برنت 91 دولاراً للبرميل، فيما ظلت حركة السفن عبر المضيق محدودة للغاية. وفي 24 أغسطس/آب تراجعت أسعار النفط قليلاً مع انتظار تفاصيل العقوبات الأمريكية الجديدة، لكن السوق بقيت شديدة الحساسية لأي تطور يتعلق بالمضيق. (Reuters⁠)

وهذا يعني أن الحصار ليس بلا تكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها. فكلما نجحت واشنطن في خفض صادرات النفط الإيراني، ارتفعت المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة، وكلما طال اضطراب هرمز ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين وأسعار الطاقة. ولهذا فإن الحرب الاقتصادية قد تصبح حرباً على تكلفة الطاقة العالمية أيضاً.

 

الحصار والخيار العسكري؛ هل تمنع الحرب الاقتصادية الحرب أم تقود إليها؟

لا يبدو أن الخيار العسكري اختفى من الحسابات الأمريكية. والأدق أن الحصار الاقتصادي أصبح مكملاً للقوة العسكرية. فالولايات المتحدة استخدمت القوة العسكرية لإضعاف القدرات الإيرانية، بينما تريد استخدام الاقتصاد لمنع إعادة بنائها. وهذا هو جوهر المرحلة الجديدة التي تحدث عنها بيسنت، والتي يقدمها باعتبارها مرحلة «نهاية» بعد الضربات العسكرية. (Anadolu Ajansı⁠)

وتكشف تصريحات الإدارة الأمريكية أن هناك تصوراً يقوم على أن القوة العسكرية والحصار الاقتصادي يمكن أن يعملا معاً: الضربة تدمر القدرة، والعقوبات تمنع إعادة بناء القدرة، والضغط السياسي يدفع إيران إلى قبول اتفاق. إذا نجحت هذه المعادلة، فقد تصل واشنطن إلى نتيجة سياسية من دون الحاجة إلى جولة عسكرية واسعة جديدة.

لكن إذا فشلت، فإن النتيجة قد تكون معاكسة تماماً.

فإذا بقي النظام متماسكاً، واستطاع الاحتفاظ بحد أدنى من صادرات النفط، واستمرت الصين أو بعض دول الجوار في التعامل معه، ولم تؤد الأزمة الاقتصادية إلى انقسام سياسي، فقد تجد واشنطن نفسها أمام خيار صعب: إما قبول استمرار إيران تحت العقوبات، أو زيادة الضغط العسكري.

وهنا يصبح فشل الحصار أحد المسارات التي يمكن أن تقود إلى الحرب.

كما أن استمرار الضغط قد يدفع إيران إلى استخدام أوراقها الإقليمية، وخصوصاً مضيق هرمز والطائرات المسيّرة والصواريخ والقدرة على تهديد الملاحة. وهذا يخلق دائرة تصعيد: العقوبات تؤدي إلى رد إيراني، والرد يؤدي إلى مزيد من العقوبات أو الضربات، والمزيد من الضربات يؤدي إلى مزيد من الإغلاق واضطراب التجارة.

وبالتالي فإن السؤال ليس ما إذا كان الحصار بديلاً عن الحرب، وإنما ما إذا كان سيمنع الحرب أم سيعيد إنتاجها بأدوات مختلفة.

 

معادلة الزمن والسيناريوهات المحتملة

يصبح الزمن في هذه المرحلة أحد أهم عناصر الصراع. فالولايات المتحدة تراهن على أن كل شهر إضافي من الحصار سيؤدي إلى مزيد من انخفاض صادرات النفط، وتراجع العملة، وارتفاع التضخم، واستنزاف الاحتياطيات، وتراجع الإنتاج، وزيادة الضغط الشعبي، وربما ظهور انقسامات داخل النخبة.

أما إيران فتراهن على أن كل شهر إضافي يمنحها فرصة لتطوير طرق جديدة للالتفاف على العقوبات، وتعزيز التجارة البرية، واستخدام العملات المحلية، والاعتماد على الصين وروسيا ودول الجوار، وانتظار تغير الموقف الدولي أو ارتفاع كلفة الحصار على الولايات المتحدة.

ولهذا فإن السؤال ليس ببساطة «لصالح من يعمل الوقت؟»، وإنما أي طرف يستطيع تحويل مرور الوقت إلى تراكم استراتيجي أكبر؟

ويمكن في ضوء ذلك تصور خمسة مسارات محتملة، لكنها لا تحتاج إلى أن تتحول إلى عناوين منفصلة لأن بعضها قد يتداخل.

المسار الأول هو التسوية السياسية، بحيث تدفع الأزمة الاقتصادية إيران إلى العودة إلى التفاوض وقبول اتفاق جديد بشأن البرنامج النووي والصواريخ والنشاط الإقليمي ومضيق هرمز، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات وفتح الممرات التجارية. وفي هذه الحالة يكون الحصار قد نجح بوصفه أداة تفاوض.

المسار الثاني هو الصمود الإيراني طويل الأمد، بحيث تحافظ طهران على حد أدنى من صادرات النفط، وتستمر في استخدام الصين ودول الجوار لتأمين السلع والعملات، وتعيد تنظيم اقتصادها حول نموذج أكثر انغلاقاً. وفي هذه الحالة يفشل الحصار في إسقاط النظام، لكنه يحول إيران إلى اقتصاد حرب واستنزاف طويل.

المسار الثالث هو الأزمة الداخلية وانقسام النخبة. فإذا أصبح الاقتصاد عاجزاً عن تمويل الدولة والمؤسسات الأساسية، فقد تتزايد الخلافات داخل النظام حول جدوى استمرار الحرب. وهنا يصبح الضغط الاقتصادي عاملاً سياسياً مباشراً.

المسار الرابع هو التصعيد الإقليمي، إذا قررت إيران استخدام مضيق هرمز أو صادرات النفط الخليجية أو الملاحة لرفع تكلفة الحصار. وفي هذه الحالة قد ترتفع أسعار الطاقة، ويتوسع الصراع، ويصبح الضغط على إيران أكثر كلفة على واشنطن وحلفائها.

أما المسار الخامس فهو العودة إلى الحرب العسكرية المباشرة، إذا فشل الحصار في منع إيران من إعادة بناء قدراتها أو إذا اعتبرت واشنطن أن البرنامج النووي أو العسكري الإيراني يمثل تهديداً لا يمكن احتواؤه اقتصادياً.

ومن بين هذه الاحتمالات، يبدو أن السيناريو الأقرب في المدى القصير ليس بالضرورة انهيار النظام، وإنما استمرار مزيج من الضغط الاقتصادي والتصعيد البحري والتفاوض غير المباشر. فالتطورات الحالية لا تشير إلى وجود اتفاق سياسي ناضج، لكنها لا تشير أيضاً إلى أن واشنطن أو طهران قد حسمتا قرار العودة إلى حرب شاملة جديدة.

وهذا ما يجعل الأشهر المقبلة حاسمة. فإذا استمرت صادرات النفط الإيرانية عند مستويات شديدة الانخفاض، وازدادت صعوبة الوصول إلى الأموال، وأغلقت الإمارات أحد أهم منافذ التجارة، ولم تستطع الصين تعويض النقص، فإن الضغط سيصبح أكثر خطورة. أما إذا وجدت إيران منافذ بديلة وحافظت على تماسك الدولة، فقد يتحول الحصار إلى استنزاف طويل لا يحقق هدفه السياسي.

 

 الخلاصة ــ هل يقود الحصار إلى تغيير النظام أم إلى حرب جديدة؟

المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية في أغسطس/آب 2026 لم تعد مجرد مواجهة حول العقوبات أو الملف النووي. إنها أصبحت اختباراً لقدرة الولايات المتحدة على تحويل هيمنتها المالية والتجارية والعسكرية إلى نتيجة سياسية داخل إيران، وفي المقابل اختباراً لقدرة طهران على تحويل خبرتها الطويلة في التعامل مع العقوبات إلى قدرة على الصمود في ظل حرب وحصار بحري وانهيار جزئي لشبكات التجارة.

وتكشف تصريحات ترامب وبيسنت أن واشنطن انتقلت من سياسة «أقصى الضغط» إلى محاولة بناء عزل اقتصادي شامل. فبيسنت يتحدث عن «D-Day اقتصادي»، وعن «أعظم هجوم مالي» حشدته الولايات المتحدة ضد خصم، وعن قطع كل شريان اقتصادي يدعم النظام الإيراني. كما تشير التصريحات إلى أن واشنطن تريد أن تدفع الدول والشركات إلى الاختيار بين التعامل مع إيران والمحافظة على مصالحها مع النظام المالي الأمريكي. (Reuters⁠)

وفي المقابل، تظهر المؤشرات الاقتصادية أن الضغط أصبح شديداً بالفعل. فقد تراجعت صادرات النفط إلى نحو 534 ألف برميل يومياً في أغسطس/آب مقابل 1.4 مليون برميل يومياً في متوسط 2025، وانخفضت عروض النفط الإيراني في السوق الصينية، وتراجعت المخزونات العائمة، بينما بلغ التضخم الإيراني 66% في يوليو/تموز ووصل تضخم الغذاء إلى 128%. كما أدى تعليق الإمارات التجارة والمعاملات المالية مع إيران إلى قطع أحد أهم المنافذ الاقتصادية الإقليمية. (Reuters⁠)

لكن هذه المؤشرات لا تكفي وحدها للقول إن النظام الإيراني يقترب من السقوط.

فإيران ما زالت تمتلك القدرة على استخدام الاقتصاد غير الرسمي، والمقايضة، والعملات المحلية، والطرق البرية، والشراكات مع الصين وروسيا، كما تمتلك أوراقاً جيوسياسية مهمة في مضيق هرمز.

ولهذا فإن معيار نجاح الحصار ليس مقدار الضرر الاقتصادي فقط، وإنما هل ينتقل هذا الضرر من الاقتصاد إلى الدولة؟

إذا ظل النظام قادراً على دفع الرواتب، وتمويل الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتأمين الغذاء والطاقة، والحفاظ على الحد الأدنى من التجارة، فإن الاقتصاد يمكن أن يتراجع بشدة من دون أن يسقط النظام.

أما إذا أصبح العجز المالي والتضخم وانهيار العملة ونقص السلع سبباً في عجز الدولة عن أداء وظائفها الأساسية، أو أدى إلى انقسام النخبة، فإن الحصار يتحول إلى تهديد مباشر لبقاء النظام.

وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة مشكلة لا تقل أهمية. فإذا طال الحصار، قد ترتفع تكلفته على أسواق الطاقة، وقد يؤدي الضغط على الصين إلى فتح مواجهة اقتصادية أوسع، وقد تدفع إيران نحو استخدام مضيق هرمز وتهديد صادرات الخليج. وقد هددت طهران بالفعل بوقف صادرات النفط من الخليج إذا استمرت الحرب الاقتصادية. (Reuters⁠)

وهكذا فإن استراتيجية الحصار تحمل مفارقة أساسية: كلما أصبحت أكثر نجاحاً في خنق إيران، زادت حوافز طهران لرفع تكلفة الخنق على الاقتصاد العالمي.

ومن هنا يمكن فهم طبيعة المرحلة المقبلة. فالولايات المتحدة تريد أن تجعل كل يوم إضافي من الحصار أكثر إيلاماً لإيران، فيما تريد طهران أن تجعل كل يوم إضافي من الحصار أكثر كلفة على الولايات المتحدة وحلفائها.

إذا تحولت الأزمة الاقتصادية إلى انقسام سياسي داخل إيران، يصبح الزمن سلاحاً أمريكياً. وإذا بقي النظام متماسكاً ونجح في الحفاظ على منافذ اقتصادية خارجية، يتحول الزمن إلى عامل استنزاف مشترك. وإذا فشل الحصار في منع إعادة بناء القدرات الإيرانية، فقد يعود الخيار العسكري إلى الواجهة. ولهذا فإن «D-Day الاقتصادي» الذي تتحدث عنه واشنطن لا يمثل بالضرورة نهاية المواجهة، وإنما يمثل بداية مرحلة أكثر خطورة منها. فالاقتصاد أصبح الآن ساحة الحرب الرئيسية، لكن نتيجته ستحدد ما إذا كانت الحرب ستنتهي إلى اتفاق، أم إلى تغيير سياسي، أم إلى استنزاف طويل، أم إلى جولة عسكرية جديدة.

والسؤال الحاسم في نهاية المطاف ليس: هل تستطيع الولايات المتحدة إيلام الاقتصاد الإيراني؟ لقد أثبتت التطورات أنها تستطيع ذلك. بل السؤال هو:

هل تستطيع واشنطن تحويل الألم الاقتصادي إلى تغيير في القرار السياسي الإيراني قبل أن يتحول الحصار نفسه إلى عامل يدفع طهران إلى التصعيد، ويجعل تكلفة المواجهة أعلى على الجميع؟

هذه هي المعركة الحقيقية التي بدأت مع «D-Day الاقتصادي»، وهي معركة لن تحسمها العقوبات وحدها، وإنما ستحدد نتيجتها قدرة كل طرف على إدارة الاقتصاد، والسياسة، والمجتمع، والتحالفات، والزمن في آن واحد.


 

ًالمصادر والمراجع الرئيسية


 

Reuters – رويترز: تقارير 17 و18 و20 و21 و23 و24 أغسطس/آب 2026 حول الحصار الأمريكي، صادرات النفط الإيرانية، الصين، مضيق هرمز، التضخم، والتصعيد الاقتصادي. (Reuters⁠)

U.S. Treasury / تصريحات سكوت بيسنت: تصريحات 20 و24 أغسطس/آب حول «D-Day الاقتصادي»، العزل المالي، وقطع شرايين الاقتصاد الإيراني. (Anadolu Ajansı⁠)

Financial Times: مقال سكوت بيسنت حول الانتقال إلى «النهاية» والحملة الاقتصادية ضد إيران. (Financial Times⁠)

Associated Press: تقارير حول «D-Day الاقتصادي»، العقوبات الثانوية، تأثير الحرب والحصار على إيران، وتعليق الإمارات التجارة والمعاملات المالية مع طهران. (AP News⁠)

منظمة التجارة العالمية WTO: بيانات التجارة الخارجية الإيرانية واتجاهات الشركاء التجاريين. (World Trade Organization⁠)

وكالة الأناضول: تصريحات سكوت بيسنت في 24 أغسطس/آب حول استخدام كامل القوة الاقتصادية والحكومية الأمريكية لعزل إيران وقطع شرايين دعم النظام. (Anadolu Ajansı⁠)

المصادر الإيرانية والتصريحات الرسمية: تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي، بشأن الحرب والاقتصاد والعقوبات ومضيق هرمز. وقد جرى استخدام هذه التصريحات في الدراسة باعتبارها مواقف صادرة عن الجانب الإيراني، مع التمييز بينها وبين البيانات الاقتصادية المستقلة.