حين أعود بذاكرتي إلى أعراس الأحواز القديمة، لا أتذكر مناسبة تبدأ في ساعة محددة وتنتهي بإطفاء أضواء الصالة، بل أتذكر أيامًا كاملة كانت القرية أو الحي يعيشها وكأنها مناسبة تخص الجميع. كان العرس يبدأ منذ اللحظة التي يُعرف فيها أن فلانًا قرر الزواج، فتتحرك البيوت من حوله بعفوية وطبيعية، ويشعر العريس منذ ذلك الوقت أن ما ينتظره ليس عبئًا يقع على كتفيه وحده، لأن الناس كانوا يعتبرون فرحته جزءًا من فرحتهم، ومسؤوليته جزءًا من مسؤوليتهم.

كانت البيوت المجاورة تتحول، من دون اتفاق مكتوب، إلى امتداد لبيت العريس. هذا يعلن أن بيته مفتوح للضيوف، وذاك يهيئ مطبخه، وآخر يتولى بعض الذبائح، وغيرهم يشاركون في تنظيف الخضروات وإعداد الطعام وترتيب المكان واستقبال القادمين من القرى والأحياء البعيدة.

كانت الوليمة تضم مئات الأشخاص، وربما يتجاوز العدد ذلك بكثير، ومع ذلك لم يكن العريس يقف أمام الأرقام بالطريقة التي نقف أمامها اليوم. فالناس لم يكونوا مجرد أرقام في قائمة مدعوين، والطعام لم يكن وجبات تُحسب الواحدة منها بسعر، والعرس كله لم يكن مشروعًا تجاريًا يحتاج إلى ميزانية دقيقة وإدارة صارمة للتكاليف. كان العرس نشاطًا اجتماعيًا واسعًا تتوزع فيه المسؤولية بين الجميع.

كان بإمكانك أن ترى بيتًا يُعد فيه اللحم، وبيتًا آخر تُغسل فيه الخضروات، وثالثًا يستقبل الضيوف، ورابعًا يتحول إلى مكان للراحة والنوم. وتسمع حركة الناس في الأزقة قبل أن تسمع الموسيقى، وترى الشباب يدخلون ويخرجون وهم يحملون ما يحتاجه أهل العرس، وتسمع أصوات النساء وهن يعملن ويتبادلن الحديث والضحك. كان الحي كله يدخل في حالة مختلفة عن أيامه العادية.

وكان الطفل يعرف أن هناك عرسًا قبل أن يخبره أحد. كانت رائحة الطعام تصل إليه، والأصوات ترتفع من أكثر من بيت، والناس يكثرون في الطرقات، والوجوه التي لا يراها كل يوم تبدأ بالظهور، وتستمر الحركة حتى ساعات متأخرة من الليل. كان الطفل يركض بين البيوت من غير أن يسأله أحد إلى أين يذهب، وكأنه يعيش في بيت كبير لا حدود واضحة بين غرفه.

ومع مرور الأيام كان العرس يكبر في داخله أيضًا، حتى تأتي الليلة التي ينتظرها الجميع. ولم يكن سبب الانتظار وجود صالة فخمة أو منصة مزينة بأحدث الطرز، بل لأن تلك الليلة كانت تجمع أشياء كثيرة في وقت واحد: الفرح، والناس، واللغة، والشعر، والغناء، والذاكرة.

وكان وقت العشاء نفسه يحمل نظامًا وتربية لا تُكتب في لائحة، ولا يشرحها أحد للأطفال شرحًا مباشرًا، بل يتعلمونها بالمشاهدة والانتظار والتجربة.

أتذكر كيف كان الأطفال يُمنعون في كثير من الأحيان من الجلوس إلى مائدة كبار السن والضيوف. ولم يكن ذلك حرمانًا لهم من الطعام أو إبعادًا لهم عن الفرح، بل كان جزءًا من نظام اجتماعي يفهمه الناس ويحافظون عليه. فمائدة الضيوف وكبار السن لها حرمتها ومكانتها، وكان المطلوب أن تبقى هادئة ومنظمة، بعيدة عن حركة الأطفال وعبثهم الطبيعي.

وفي الوقت نفسه، كان الطفل يتعلم منذ صغره أن للضيف مكانة، وأن للكبير حقًا في التقديم والاحترام، وأن الصبر جزء من الأدب، وأن عليه أن ينتظر حتى ينتهي من سبقوه سنًا ومكانة.

وبعد أن ينتهي كبار السن والضيوف من طعامهم، تُفرش المائدة للأطفال وللمعزبين ولمن كانوا منشغلين بخدمة الناس. فيجلس الصغار وهم يعرفون أن دورهم قد جاء، ويأكلون من الطعام نفسه من غير أن يشعروا بأنهم أقل شأنًا، بل يشعرون أنهم جزء من نظام يعرف فيه كل شخص موقعه وواجبه وحقه.

وأحيانًا كان طفل، لسبب ما أو بعطف أحد الكبار عليه، ينجح في البقاء على مائدة الضيوف ويُقدم له الطعام بينهم. فيخرج بعد ذلك بين أقرانه مرفوع الرأس، وكأنه نال مرتبة اجتماعية جديدة، ويخبرهم بفخر أنه أكل مع الكبار. وتبقى تلك اللحظة في نفسه، لأنها لم تكن مجرد صحن طعام، بل كانت اعترافًا صغيرًا شعر فيه بأنه اقترب خطوة من عالم الرجال.

وكان الأطفال يدخلون العرس كما هم، بثيابهم المعتادة وزينتهم البسيطة. لم يكن لباس الطفل مشروعًا مستقلًا داخل المناسبة، ولم تكن العائلة تستهلك وقتًا طويلًا في التفكير فيما سيرتديه الصغير أو الشاب حتى يظهر بصورة معينة أمام الآخرين.

أما اليوم، فقد أصبح الاهتمام بملابس الأطفال والشباب جزءًا واضحًا من صورة العرس الحديثة، حتى إنك ترى أحيانًا بدلة طفل أو شاب تقترب قيمتها من قيمة بدلة العريس نفسه، أو تتجاوزها. ولا أقول ذلك للحكم على الظاهرة أو إدانتها، وإنما لوصف مقدار ما تغير في تفاصيل المناسبة، وكيف انتقلت أهمية المظهر من حدود بسيطة إلى مساحة واسعة داخل العرس.

وكان للعرس جانب آخر لا يقل جمالًا عن الوليمة والغناء والشعر، وهو تلك المساحات العفوية التي كانت تكشف مواهب الناس من دون ترتيب مسبق.

ففي ليلة العرس، وبينما يكون الرجال والنساء والأطفال وكبار السن مجتمعين، كان يحدث في كثير من الأعراس أن ينسحب عدد من الشباب جانبًا لبضع دقائق، ثم يعودون وقد اتفقوا فيما بينهم على تمثيل مسرحية فكاهية لا نص مكتوبًا لها، ولا مخرج، ولا تدريبات، ولا خشبة مسرح. كانت مجرد فكرة ولدت في اللحظة نفسها، وأدوار توزعت بسرعة، وكلمات خرجت من بنات أفكارهم أمام الناس.

وفجأة يتحول المكان المزدحم إلى مسرح كامل. يصمت الحضور من النساء والرجال والأطفال والشيوخ، وكأن الجميع أمام عرض أُعد له منذ شهور، بينما الحقيقة أن ما يشاهدونه وُلد قبل دقائق.

يبدأ أحد الشباب دوره، ويرد عليه الآخر، وتتوالى المواقف والكلمات والنكات. ويظهر في تلك اللحظات من يملك موهبة في التمثيل، ومن يملك سرعة بديهة، ومن يعرف كيف يصنع الضحكة من جملة بسيطة أو حركة عابرة. ويعيش الناس دقائق من الضحك الصادق الذي لا يحتاج إلى أجهزة ولا شاشات ولا برنامج مكتوب.

وربما تنتهي المسرحية كما بدأت، من غير أن تُسجل أو تُعاد، لكنها تبقى في ذاكرة من حضرها سنوات طويلة، لأن جمالها كان في عفويتها، وفي أنها خرجت من الناس أنفسهم ثم عادت إليهم.

وكان حضور المطرب الأحوازي جزءًا مهمًا من هذه الصورة. فالناس لم يكونوا ينتظرون مجرد موسيقى تملأ الفراغ، بل كانوا ينتظرون صوتًا يعرفونه ويشعرون أنه يخرج منهم ويعود إليهم.

وكان يكفي أن يُذكر اسم عباس السحاگي، مثلًا، حتى يعرف الحاضرون أن الليلة ستحمل معها شيئًا من الحماس الذي يتجاوز مناسبة الزواج نفسها. وحين تصدح أغنية مثل «الله أكبر يا عرب طبوا ثنايانا»، كانت الكلمات تتحرك بين الناس وكأنها تعرف طريقها إلى وجدانهم من قبل.

وكان الشاعر الوطني حين يتقدم لا يحتاج إلى تعريف طويل، لأن الجمهور يعرف لماذا ينتظر قصيدته. وحين يقول أبو مختار: «نحن من أصل العروبة نحن مو مستعربين»، كانت العبارة تدخل إلى الذاكرة من غير جهد. يأخذها الشاب معه إلى اليوم التالي، ويحفظها الطفل ربما قبل أن يفهم كل ما فيها، ثم يظل أثرها داخله حتى تأتي السنوات وتمنحه المعنى الذي لم يكن قادرًا على فهمه عندما سمعها للمرة الأولى.

وكان شعراء مثل محمد عامر وأبي أمجد الحيدري، ثم من جاء بعدهم مثل الشهيد حسن الحيدري، يمنحون العرس معنى آخر لا ينفصل عن الفرح ولا يطغى عليه. فالشعر لم يكن فقرة رسمية تُضاف إلى برنامج المناسبة، بل كان جزءًا من المزاج العام للعرس.

كما أن الأغنية الوطنية لم تكن خطابًا سياسيًا ثقيلًا على الناس، بل كانت تأتي وسط الضحك والرقص والوليمة واللقاءات، فتدخل إلى القلب في اللحظة التي يكون فيها أكثر انفتاحًا.

ولهذا كانت الأعراس واحدة من المساحات التي تتنفس فيها الهوية بصورة طبيعية. لم تكن تحتاج إلى مؤسسة أو اجتماع أو دعوة خاصة، لأن الناس كانوا يجتمعون من أجل الفرح، وفي داخل هذا الفرح كانت اللغة والهوية والذاكرة تجد مكانها.

ومن عاش تلك الأعراس يستطيع أن يستعيد تفاصيلها اليوم من دون جهد كبير. وربما تكفيه صورة قديمة حتى يعود كل شيء دفعة واحدة؛ فيرى وجهًا كان يحبه ولم يعد موجودًا، ويسمع في داخله صوت شخص كان يضحك بصوت عالٍ، ويتذكر زاوية من البيت كانت مزدحمة بالرجال، وركنًا آخر جلست فيه النساء، ويتذكر الصواني وهي تدخل وتخرج، والأطفال وهم يترقبون موعد مائدتهم، والشباب وهم يتحركون بين الضيوف.

وربما يتذكر ذلك الطفل الذي خرج متباهيًا لأنه أكل مع كبار السن، أو مسرحية ارتجلها شباب الحي فأضحكت الناس حتى دمعت عيونهم، ثم انتهت ولم يبق منها تسجيل واحد. ومع ذلك بقيت حية في الذاكرة أكثر من أشياء كثيرة صُرفت عليها الأموال.

وربما يتذكر أيضًا صورة التُقطت من غير ترتيب، فأصبحت بعد عشرين أو ثلاثين سنة أغلى من عشرات الصور التي صُنعت بعناية. لم يكن جمالها في دقتها أو إضاءتها، بل في أنها أمسكت لحظة حقيقية كما كانت.

ولعل لهذا السبب أصبح العرس عند الناس مرادفًا لزمن الفرح نفسه. فإذا رأوا شخصًا أثقلته الحياة ذكّروه بأيام عرسه، لأنهم كانوا يعرفون أن تلك الأيام تحمل في الذاكرة شيئًا لا يشبه غيره.

قد يكون الإنسان متعبًا أثناء التجهيز، وقد ينام ساعات قليلة، وقد تمر عليه أيام من الحركة المتواصلة، ومع ذلك يبقى إحساسه العام أن الناس من حوله، وأن الجميع يريدون أن يفرحوا معه. وكان هذا الشعور وحده يجعل التعب أخف ويمنح المناسبة معناها.

ثم تغير كل شيء تدريجيًا. ولم يكن التغيير مجرد انتقال الناس من البيوت إلى الصالات، بل كان انتقال العرس نفسه من حالة اجتماعية واسعة إلى مناسبة محدودة ومغلقة ومحسوبة.

أصبح المكان يفرض عدد الحضور، والعدد يفرض الكلفة، والكلفة تفرض قرارات أخرى. ومع الوقت بدأ العريس وعائلته يفكرون في تفاصيل لم تكن هي محور العرس من قبل. وأصبحت الصالة نوعًا من إعلان المكانة الاجتماعية، وأصبح الطعام موضوعًا للمقارنة، والسيارة جزءًا من الصورة، واللباس والتزيين والتصوير والموسيقى كلها عناصر تدخل في سباق غير معلن بين الناس.

وهكذا صار كثير من العرسان يبدأون حياتهم الجديدة وهم مرهقون من مناسبة كان يفترض أن تمنحهم أجمل ذكريات العمر.

وفي هذا التحول فقد الجار جزءًا كبيرًا من دوره. فالعرس لم يعد يحتاج إلى بيته ولا إلى مطبخه، ولم تعد القرية تتحرك بالطريقة نفسها، ولم يعد بيت العريس مركزًا تتجمع حوله الأعمال والناس.

أصبحت الخدمة تُشترى بدلًا من أن تُمنح، والطعام يُطلب بدلًا من أن يُعد جماعيًا، والتزيين ينتقل إلى مكان مستأجر لساعات محدودة، والناس يحضرون في وقت معين ثم يغادرون.

قد يكون العرس الحديث أجمل في صورته وأكثر ترتيبًا من السابق، لكنه يخسر شيئًا من ذلك الدفء الذي كان يصنعه شعور الإنسان بأنه جزء من الحدث، لا مجرد مدعو إليه.

ولا أريد من هذا الكلام أن أجعل الماضي مثاليًا أو أن أحمل الصالة الحديثة مسؤولية كل ما حدث. فالمجتمعات تتغير، والناس من حقهم أن يبحثوا عن الراحة والتنظيم والجمال. ولا يوجد ما يمنع الإنسان من إقامة عرسه في صالة جميلة، أو الاهتمام بملابسه وصوره وتفاصيل مناسبته.

إنما المشكلة تظهر حين تتغير الأولويات إلى درجة يصبح فيها الإنسان أسيرًا للصورة التي يريد أن يراه الناس فيها. فينفق أكثر مما يستطيع، ويعيش شهورًا من القلق، ويبدأ حياته الزوجية وهو يحمل أعباء مالية ونفسية لا ضرورة لها، ويصبح نجاح العرس مرتبطًا بنظرة الآخرين أكثر مما يرتبط براحة العروسين وفرحتهما.

ولعل أكثر ما يؤلم في هذا التحول أن المجتمع الذي كان يخفف العبء عن العريس أصبح، في بعض الأحيان، هو نفسه مصدر الضغط عليه.

فالمقارنة لا تنتهي. وما فعله فلان يصبح معيارًا لفلان، وما كانت عليه صالة فلان يرفع سقف التوقعات لغيره، وتكبر المصاريف حتى تصبح المناسبة قادرة على إنهاك أسرة كاملة.

والمفارقة أن العرس القديم، رغم بساطته وقلة إمكاناته، كان يوزع العبء على الناس ويترك للعريس مساحة أكبر ليعيش فرحته.

وقد يكون من السهل أن ننظر إلى كل هذا بوصفه تحولًا اجتماعيًا عاديًا، إلا أن المسألة في الأحواز تحمل معنى آخر أيضًا. فكل مساحة تفقد فيها اللغة والعادات والشعر والأغنية المحلية حضورها الطبيعي هي مساحة تنكمش فيها قدرة المجتمع على إعادة إنتاج هويته.

والهوية لا تعيش في البيانات السياسية ولا في الشعارات وحدها، بل تعيش في المناسبات التي يتعلم فيها الطفل كيف يغني أهله، وكيف يفرحون، وكيف يستقبلون ضيوفهم، وكيف يوقرون الكبير، وكيف ينتظر دوره على المائدة، وكيف يضحك من مسرحية ارتجلها أبناء الحي في لحظتها.

تعيش الهوية أيضًا في الكلمات التي تهز الناس، والأسماء التي يذكرونها، والقصائد التي يحفظونها، والأغاني التي تصبح جزءًا من ذاكرتهم الجماعية.

ولهذا فإن انحسار هذا الدور من الأعراس، سواء حدث بفعل تغير اجتماعي طبيعي، أو نتيجة تأثير اقتصادي وثقافي طويل، أو بسبب سياسات مقصودة وغير مقصودة، يبقى خسارة ينبغي أن نتوقف عندها.

فنحن لا نتحدث عن الماضي من أجل البكاء عليه، وإنما من أجل أن نعرف ما الذي كان فيه ويستحق أن يبقى معنا.

لسنا بحاجة إلى إعادة بناء العرس القديم بكل تفاصيله، ولا إلى رفض الصالة أو التكنولوجيا أو التصوير أو أشكال التنظيم الحديثة. ما نحتاج إليه هو استعادة روحه.

أن يشعر الجار مرة أخرى بأن له مكانًا في الفرح، وأن يعود الشاعر إلى المناسبات، وأن يجد المطرب الأحوازي مساحته، وأن تُسمع الأغنية التي تشبه الناس، وأن يشعر العريس بأن الزواج ليس مشروعًا لاستعراض القدرة المالية.

وأن تستطيع العروس أن تتذكر يومها باعتباره أحد أجمل أيام حياتها، لا أكثرها إرهاقًا.

وربما بعد سنوات طويلة، حين يفتح أحدهم صورة من ذلك العرس، لن يكون أهم ما يراه نوع الصالة، ولا السيارة التي وقف العريس بجانبها، ولا الزينة التي دفعت العائلة ثمنها.

سوف يبحث بعينيه عن الوجوه التي كانت حوله، وسيتذكر من ساعده، ومن غنى له، ومن قرأ قصيدته، ومن فتح بيته للضيوف، ومن حمل صينية الطعام، ومن جعل ذلك اليوم مختلفًا عن بقية الأيام.

ذلك هو العرس الذي يبقى، وذلك هو الفرح الذي لا تنتهي مدته بانتهاء ساعات الصالة.