مدخل
نشرت صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، في قسم الرأي، بتاريخ 30 أغسطس/آب 2026، مقالًا للكاتب A.J. Jaffبعنوان: «الحرب مع إيران لن تُحسم بالغارات الجوية، فما الذي تبقى؟». ويطرح الكاتب في مقاله مجموعة من الأفكار التي يرى أنها يمكن أن تشكل أدوات جديدة للضغط على الجمهورية الإسلامية، ومن أبرزها الانتقال من التركيز على تغيير النظام في طهران إلى التفكير في إعادة تشكيل البنية السياسية والجغرافية للدولة الإيرانية.
ومن أكثر الأفكار إثارة للاهتمام في المقال دعوة الكاتب إلى أن ينظر الكونغرس الأمريكي في إمكانية الاعتراف بـ«الاستقلال السيادي» لكل من كردستان والأحواز وبلوشستان، باعتبار ذلك وسيلة سياسية يمكن أن تغير حسابات السلطة الإيرانية وتفتح أمام هذه المناطق والشعوب بابًا جديدًا في التعامل الدولي.
وتكمن أهمية هذا الطرح في أنه ينقل قضية الشعوب غير الفارسية في إيران من إطارها الداخلي إلى المستوى الدولي، ويضع قضية الأحواز، إلى جانب القضية الكردية والبلوشية، ضمن تصور استراتيجي يتعامل معها باعتبارها عوامل مؤثرة في مستقبل الدولة الإيرانية.
المقال منشور في قسم الرأي، وبالتالي فهو طرح للكاتب وليس إعلانًا عن سياسة رسمية أمريكية. لكن مجرد نشر مثل هذا التصور في صحيفة إسرائيلية معروفة يلفت الانتباه إلى دخول أفكار تتعلق بمستقبل حدود إيران ووحدتها السياسية إلى النقاش الإعلامي والاستراتيجي العلني.
أولًا: التحول من تغيير النظام إلى تغيير شكل الدولة
الفكرة الأساسية في المقال تتجاوز مفهوم تغيير السلطة في طهران.
فعندما يُطرح تغيير النظام، يكون المقصود عادةً استبدال السلطة السياسية مع بقاء الدولة بحدودها الحالية.
أما السيناريو الذي يطرحه Jaff فيفتح الباب أمام تصور مختلف:
إعادة تشكيل الدولة نفسها.
وهذا التحول يحمل أهمية كبيرة بالنسبة إلى الشعوب التي ترى أن مشكلتها مع النظام الإيراني ليست مرتبطة فقط بمن يحكم طهران، وإنما بطبيعة الدولة المركزية التي تحكم المناطق المختلفة.
ومن هذا المنظور، فإن الحديث عن استقلال كردستان والأحواز وبلوشستان يعني أن القضية لم تعد محصورة في تغيير الحكومة، وإنما أصبحت مرتبطة بحق هذه المناطق في تحديد مستقبلها السياسي.
ثانيًا: الأحواز تنتقل من قضية داخلية إلى قضية دولية
من أهم الجوانب الإيجابية في هذا الطرح أنه يضع الأحواز ضمن إطار سياسي دولي واضح.
فالقضية الأحوازية، وفق هذا التصور، لا تعود مجرد ملف يتعلق بالحقوق الثقافية أو الاقتصادية أو السياسية داخل إيران، وإنما تصبح جزءًا من النقاش الدولي حول حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وهذا التحول في طبيعة الخطاب يمكن أن يكون بالغ الأهمية.
فعندما تصبح قضية الأحواز حاضرة في مراكز القرار ووسائل الإعلام الدولية، فإن ذلك يوسع دائرة الاهتمام بها، ويجعل تاريخ المنطقة وهويتها العربية ومواردها وموقعها الجغرافي موضوعًا للنقاش خارج الحدود الإيرانية.
وبالتالي، فإن مجرد إدراج الأحواز في سيناريو استراتيجي منشور في صحيفة دولية معروفة يمثل، من هذه الزاوية، انتقالًا من الهامش إلى مساحة أوسع من الاهتمام السياسي والإعلامي.
ثالثًا: الاعتراف الدولي كتحول نوعي
أكثر ما يميز الفكرة المطروحة هو عنصر الاعتراف الدولي.
فالكاتب لا يتحدث فقط عن وجود حركات سياسية في هذه المناطق، وإنما يقترح أن تقوم الولايات المتحدة، من خلال الكونغرس، بخطوة سياسية تمنح هذه القضية مستوى مختلفًا من الشرعية والاهتمام الدولي.
والاعتراف، في المفهوم السياسي، يحمل أهمية كبيرة؛ لأنه يمكن أن يحول القضية من شأن داخلي إلى موضوع له حضور في العلاقات الدولية.
وبالنسبة إلى الأحواز، فإن إدراجها ضمن هذا النوع من الطرح يعني أن القضية يمكن أن تُعرض أمام العالم باعتبارها قضية شعب ومنطقة ذات هوية ومصالح سياسية خاصة.
وهذا من شأنه، وفق منطق السيناريو، أن يمنح القوى السياسية الأحوازية مساحة أكبر للتحرك والتعريف بقضيتها.
رابعًا: وضع الأحواز ضمن خريطة الشعوب المؤثرة في إيران
يشير المقال إلى الأكراد والأذريين والبلوش والعرب الأحوازيين باعتبارهم مكونات رئيسية في المجتمع الإيراني.
وهنا تكمن نقطة مهمة.
فإيران لا تظهر في هذا التصور باعتبارها كتلة سياسية واحدة متجانسة، بل باعتبارها دولة متعددة الشعوب والمناطق والهويات.
وهذا الطرح يسلط الضوء على حقيقة أن الأحواز ليست قضية منفصلة عن بقية القضايا القومية في إيران.
بل يمكن النظر إليها ضمن مجموعة من القضايا التي ترتبط بمسألة الهوية، والحقوق السياسية، والإستقلال، وتقرير المصير.
وبذلك يصبح حضور الأحواز في النقاش الدولي أكثر ارتباطًا بالسياق الإقليمي العام.
خامسًا: الموقع الاستراتيجي للأحواز
تتمتع الأحواز بأهمية جغرافية واقتصادية واستراتيجية كبيرة.
فهي تقع في جنوب غرب إيران، وتمتد بمحاذاة الخليج العربي، وتضم جزءًا أساسيًا من الثروة النفطية والغازية في إيران، كما ترتبط بممرات مائية وموانئ ذات أهمية اقتصادية.
ومن ثم، فإن الحديث عن مستقبل الأحواز لا يتعلق بالهوية وحدها.
بل يتعلق أيضًا بـ:
الطاقة، والنفط، والمياه، والموانئ، والتجارة، وأمن الخليج العربي.
وهذا يجعل القضية الأحوازية ذات أهمية تتجاوز بعدها المحلي، ويمنحها وزنًا جيوسياسيًا واضحًا في أي نقاش مستقبلي حول شكل إيران والمنطقة.
سادسًا: تعزيز فكرة حق تقرير المصير
من زاوية إيجابية، فإن أهم ما يلفت في السيناريو هو أنه يعيد طرح مفهوم تقرير المصير.
وتقرير المصير يعني، في جوهره، أن يكون للشعوب دور في تحديد وضعها السياسي ومستقبلها.
ومن هنا يمكن قراءة المقترح باعتباره محاولة لنقل النقاش من سؤال:
«من يحكم إيران؟»
إلى سؤال أوسع:
«كيف تريد الشعوب والمناطق المختلفة أن يكون مستقبلها السياسي؟»
وهذا التحول يفتح مجالًا واسعًا للنقاش حول الخيارات السياسية المتعددة، من الحقوق السياسية والثقافية، إلى الحكم الذاتي، والفيدرالية، وصولًا إلى الاستقلال.
سابعًا: منح القضية الأحوازية مساحة أكبر للتعريف بنفسها
من النتائج الإيجابية المحتملة لمثل هذا الطرح أنه يمنح القضية الأحوازية فرصة أكبر للوصول إلى جمهور دولي.
فكلما دخل اسم الأحواز في مقالات وتحليلات ومناقشات سياسية دولية، ازدادت إمكانية أن يتعرف الرأي العام الخارجي على:
- تاريخ الأحواز.
- الهوية العربية لسكانها.
- موقعها الجغرافي.
- ثرواتها الطبيعية.
- أوضاعها السياسية.
- المطالب التي تطرحها القوى الأحوازية.
ومن هذه الزاوية، فإن المقال يمكن أن يُنظر إليه باعتباره منصة إعلامية إضافية لإيصال القضية الأحوازية إلى دوائر لم تكن تتابعها من قبل.
ثامنًا: أهمية الجمع بين القضايا القومية
يضع المقال الأحواز إلى جانب كردستان وبلوشستان.
وهذا الجمع يمكن أن يعطي القضايا القومية داخل إيران وزنًا أكبر عند النظر إليها بصورة جماعية.
فبدل التعامل مع كل قضية باعتبارها حالة منفردة، يظهر تصور يرى أن هناك مكونات قومية متعددة لها مطالب سياسية وتاريخية مختلفة.
وهذا يمكن أن يؤدي إلى زيادة الاهتمام الدولي بالتنوع القومي داخل إيران، وفتح نقاش أوسع حول مستقبل العلاقة بين المركز والأطراف.
تاسعًا: البعد النفطي والاستراتيجي للأحواز
تكتسب الأحواز أهمية إضافية بسبب مواردها النفطية الهائلة.
وبالتالي فإن الاعتراف بأهمية الأحواز سياسيًا يعني أيضًا الاعتراف بأهمية المنطقة في الاقتصاد والطاقة على المستوى الإقليمي والدولي.
فالأحواز ليست منطقة هامشية جغرافيًا أو اقتصاديًا.
بل تقع في واحدة من أكثر المناطق حساسية من الناحية الاستراتيجية، وهو ما يجعل مستقبلها السياسي مرتبطًا مباشرة بقضايا الطاقة والأمن الإقليمي والتجارة الدولية.
ومن هذه الزاوية، فإن إدراج الأحواز في السيناريو المطروح يمنح القضية وزنًا جيوسياسيًا لا يمكن فصله عن أهميتها التاريخية والقومية.
عاشرًا: ماذا يعني هذا الطرح بالنسبة إلى مستقبل الأحواز؟
إذا نظرنا إلى المقال من زاوية إيجابية فقط، فإن أهميته تكمن في أنه يفتح بابًا جديدًا أمام القضية الأحوازية.
فبدل أن تبقى القضية محصورة في نطاق المطالب الداخلية، يضعها السيناريو ضمن نقاش دولي حول:
الهوية، والسيادة، وتقرير المصير، ومستقبل الحدود، وإعادة تشكيل المنطقة.
كما أن ذكر الأحواز صراحة إلى جانب كردستان وبلوشستان يعني أن الكاتب ينظر إليها باعتبارها إحدى المناطق التي يمكن أن يكون لها دور في مستقبل إيران.
وهذا بحد ذاته تطور مهم في مستوى الخطاب السياسي المتعلق بالأحواز.
الخلاصة
تكمن أهمية المقال المنشور في جيروزاليم بوست في أنه لا يتعامل مع مستقبل إيران من زاوية تغيير السلطة في طهران فقط، بل يفتح النقاش أمام احتمال إعادة صياغة الدولة نفسها.
ومن منظور إيجابي، يمكن قراءة هذا الطرح باعتباره انتقالًا بالقضية الأحوازية إلى مستوى جديد:
من قضية يراد لها ان تكون داخلية إلى قضية ذات حضور دولي،
ومن الحديث عن الحقوق فقط إلى الحديث عن تقرير المصير،
ومن النظر إلى الأحواز باعتبارها منطقة طرفية إلى التعامل معها باعتبارها منطقة ذات أهمية سياسية واقتصادية وجيوسياسية كبيرة.
والأهم أن المقال يضع اسم الأحواز صراحةً ضمن سيناريو يتحدث عن المستقبل السياسي لإيران، ويمنح القضية مساحة جديدة في النقاش الدولي.
وبغض النظر عن كون هذا الطرح يمثل رأي كاتبه وليس سياسة رسمية معلنة، فإن ظهوره في صحيفة مثل جيروزاليم بوست يكتسب أهمية إعلامية وسياسية، لأنه يساهم في إدخال فكرة مستقبل الأحواز وتقرير مصيرها إلى دائرة النقاش الدولي المفتوح.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى المقال باعتباره ليس مجرد مقال عن إيران، وإنما مؤشرًا على اتساع مساحة النقاش حول مستقبل الشعوب غير الفارسية، ومن بينها الشعب العربي الأحوازي، ودورها المحتمل في إعادة رسم المشهد السياسي للمنطقة.
إن إدراج الأحواز ضمن النقاشات المتعلقة بمستقبل إيران يعكس الأهمية المتزايدة لهذه القضية، ويؤكد أن موقعها الجغرافي وثرواتها وامتدادها العربي يجعلها عنصرًا مهمًا في المعادلات الاستراتيجية للمنطقة.
ومن هنا، يدعو المركز الأحوازي للإعلام والدراسات الاستراتيجية وسائل الإعلام العربية، ومراكز الدراسات والأبحاث، والنخب السياسية والفكرية، إلى إعادة الاهتمام بالقضية الأحوازية، وفتح مساحة جادة لتناول تاريخها وواقعها وأبعادها السياسية والاستراتيجية، بدل اختزالها في إطار الشأن الداخلي الإيراني.
فالإعلام العربي يمتلك دورًا أساسيًا في تشكيل الوعي وصناعة النقاش العام، ومن ثمّ فإن منح القضية الأحوازية حضورها الإعلامي الذي تستحقه، وتسليط الضوء على مكانتها العربية وأهميتها الجيوسياسية، أصبح أكثر أهمية في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
الأحواز قضية عربية ذات أهمية استراتيجية، وحضورها في الإعلام العربي ضرورة تفرضها تحولات المنطقة ومستقبلها.