طهران بين منطق الثأر ومنطق التفاوض: قراءة في تناقض الخطاب الرسمي الإيراني
مقدمة
لم تعد العلاقة بين واشنطن وطهران مجرد خلاف سياسي أو نزاع حول البرنامج النووي، بل تحولت إلى صراع مفتوح متعدد الأبعاد، تتداخل فيه المواجهة العسكرية، والحرب الاستخباراتية، والضغوط الاقتصادية، والتنافس الإقليمي. وفي هذا السيناريو، شكّلت الحرب التي استمرت تسعةً وثلاثين يومًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، نقطة تحول مفصلية في مسار الصراع، بعدما شهدت حملة عسكرية واسعة استهدفت آلاف المواقع العسكرية والأمنية والاقتصادية ومنشآت البنية التحتية داخل إيران، إلى جانب عمليات نوعية استهدفت قيادات عسكرية وأمنية بارزة، وفي مقدمتها المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي.
ولم يكن استهداف المرشد الأعلى حدثًا عسكريًا فحسب، بل مثّل ضربة مباشرة للبنية السياسية والعقائدية للنظام الإيراني؛ إذ يشغل المرشد موقع رأس هرم السلطة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وصاحب الكلمة الفصل في قضايا الأمن القومي والسياسة الخارجية، كما يمثل المرجعية الدينية والسياسية التي تستند إليها شرعية نظام الجمهورية الإسلامية. ومن ثم، فإن استهدافه لا يُنظر إليه داخل إيران بوصفه اغتيالًا لشخصية سياسية فحسب، وإنما باعتباره مساسًا برمز الدولة والثورة وركيزة النظام، وهو ما يفسر حجم التصعيد في الخطاب الرسمي، والإجماع النسبي بين مؤسسات الدولة على تبني مفردات الثأر والانتقام والعقاب، باعتبارها جزءًا من الدفاع عن هيبة النظام واستعادة قوة الردع والحفاظ على شرعيته الداخلية والخارجية.
وفي المقابل، لم يُغلق المسار السياسي بالكامل، إذ استمرت الاتصالات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، قبل أن تنتقل إلى مفاوضات مباشرة تُوِّجت بتوقيع مذكرة تفاهم مهدت الطريق لجولات تفاوضية تستهدف التوصل إلى اتفاق يعالج الملفات الأمنية والنووية والإقليمية بين الطرفين.
ويضع هذا التزامن بين تصاعد خطاب الانتقام واستمرار العملية التفاوضية القيادة الإيرانية أمام معادلة معقدة؛ فكيف يمكن لدولة تعلن أن الانتقام يمثل أولوية وطنية وعقيدة سياسية أن تواصل في الوقت ذاته التفاوض مع الطرف الذي تحمله مؤسساتها الرسمية مسؤولية ما جرى؟ وهل يعكس ذلك استراتيجية مدروسة تقوم على الجمع بين الردع والدبلوماسية، أم أنه يكشف عن تناقض في الخطاب وتباين في الرؤى بين مراكز صنع القرار داخل النظام الإيراني؟
وتحاول هذه الورقة الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال تحليل الخطاب الرسمي الإيراني، وقراءة التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين والمؤسسات الرسمية، واستشراف ما تعكسه من دلالات بشأن مستقبل المفاوضات واحتمالات التصعيد.
دلالات التصريحات الرسمية الإيرانية
تكشف التصريحات الصادرة عن مؤسسات الدولة الإيرانية وشخصياتها القيادية عن تصاعد واضح في خطاب الثأر والانتقام، مع وجود شبه إجماع بين مختلف مراكز القوة على ضرورة الرد، وإن اختلفت طبيعة الرسائل وحدّة الخطاب. ويكتسب ترتيب هذه التصريحات أهميته من الوزن المؤسسي للجهات التي أطلقتها، باعتبار أن موقع كل مؤسسة داخل هرم السلطة يحدد مدى انعكاس تصريحاتها على توجهات الدولة وسياساتها.
وفي مقدمة هذه التصريحات، أكد المجلس الأعلى للأمن القومي في بيانه أن “ملف الثأر لدم الشهيد علي خامنئي وشهداء إيران لا يزال مفتوحًا”، مضيفًا أن “الآمرين والمنفذين لهذه الجرائم سينالون جزاءهم في الوقت المناسب وليس بعد وقت طويل”، وهو ما يعكس تبني أعلى مؤسسة معنية بالأمن القومي في إيران لخيار الرد بوصفه جزءًا من السياسة الرسمية للدولة.
وفي السياق ذاته، تعهد الحرس الثوري بـ**“انتقام قاسٍ وحاسم”**، مؤكدًا أن “قتلة المرشد لن يفلتوا من العقاب”، وهو موقف يكتسب أهمية استثنائية بالنظر إلى الدور المحوري للحرس الثوري في تنفيذ السياسات العسكرية والأمنية، وقدرته على ترجمة الخطاب السياسي إلى إجراءات ميدانية.
أما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فقد أكد أن “الانتقام من مرتكبي هذه الجريمة واجب وحق مشروع للجمهورية الإسلامية، وستؤدي هذا الواجب بكل قوتها”، بما يعكس تبني السلطة التنفيذية لهذا الخطاب، رغم استمرارها في إدارة المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة.
ومن جانبه، أعلن القائد العام للجيش أمير حاتمي أن “الولايات المتحدة والنظام الصهيوني سيواجهان ثأرًا لدم قائدنا الشهيد”، في تأكيد على انخراط المؤسسة العسكرية النظامية في خطاب الرد، بينما صرح رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف بأن “الأمريكيين والصهاينة تجاوزوا الخطوط الحمراء”، متوعدًا بـ“ضربات مؤلمة حتى يطلبوا الرحمة”، وهو خطاب يحمل رسائل ردع موجهة إلى واشنطن وتل أبيب.
كما أكد رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي أن الجمهورية الإسلامية “ستلاحق الولايات المتحدة وكل من شارك في قتل علي خامنئي ولن تتخلى عن ذلك”، مضيفًا أن “المجرمين سينالون عقابهم” وفقًا للمعايير الإنسانية والإلهية والقانون الدولي، في محاولة لإضفاء شرعية قانونية وقضائية على خطاب الانتقام.
وفي الإطار البرلماني، قال رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية إبراهيم عزيزي إن القوات المسلحة “انتقلت من عقيدة الردع إلى عقيدة الردع الهجومي وعقيدة جعل العدو يندم”، مؤكدًا أن الجمهورية الإسلامية ستنتقم لمقتل علي خامنئي والقادة العسكريين، وأن المسؤولين عن ذلك سيواجهون “عقابًا شديدًا”.
أما قائد القوات البحرية شهرام إيراني، فقد أكد أن الأعداء يجب أن يستعدوا لمواجهة “المقاتلين المسلمين” الساعين للثأر، متوعدًا بـ“صفعة وضربة ساحقة تحطم هيبتهم”. وفي السياق ذاته، شددت وزارة الاستخبارات في بيانها على أن “القلوب الجريحة للشعب الإيراني وللأحرار في العالم لن تلتئم إلا بالانتقام من المسؤولين عن هذه الجريمة”، مؤكدة أن هذا الانتقام “سيتحقق”.
وعلى المستوى الديني، قال المرجع حسين نوري همداني إن “مرتكبي هذه الجريمة سيواجهون قصاصًا حتميًا”، بينما اعتبر عزت الله ضرغامي عضو المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني، أن “المفاوضات تجري من باب الاضطرار وليس من باب الاختيار”، مؤكدًا أن “أولويتنا الأولى هي الانتقام”، وأن الشعب الإيراني “لن يرضى إلا بانتقام جاد وواضح وحاسم”.
وفي المقابل، عكست هتافات عدد من مؤيدي النظام خلال تشييع خامنئي في طهران، المزاج السائد داخل القاعدة المؤيدة، إذ رددوا شعار: “لقد قتلوا قائدنا… وأنتم تتحدثون عن التفاوض”، في رسالة تعبر عن رفض أي مسار تفاوضي قبل تنفيذ عملية انتقامية.
كما أضافت القناة 14 الإسرائيلية بعدًا آخر إلى المشهد، إذ ادعت أن فيلق القدس التابع للحرس الثوري أنشأ وحدة جديدة تحمل اسم “مختار” للتخطيط لاغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومسؤولين أمريكيين آخرين، بالتعاون مع كارتلات المخدرات المكسيكية وبعض أفراد الجالية الإيرانية في الخارج، إلا أن القناة لم تقدم أدلة أو وثائق تدعم هذا الادعاء، كما لم تؤكده أي جهة رسمية أو مصادر مستقلة حتى الآن.
الاستنتاج
تكشف التصريحات الصادرة عن مختلف مؤسسات الدولة الإيرانية، من المجلس الأعلى للأمن القومي والحرس الثوري إلى الرئاسة والجيش والسلطة القضائية والمرجعيات الدينية، عن هيمنة خطاب يقوم على مفردات الثأر والانتقام والعقاب، مع تحميل الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية ما جرى، والتأكيد أن الرد يمثل حقًا مشروعًا والتزامًا سياسيًا وأخلاقيًا لا يمكن التراجع عنه.
وفي المقابل، تسير طهران في مسار تفاوضي مع واشنطن يهدف إلى التوصل إلى اتفاق شامل يعالج الملفات الأمنية والنووية والإقليمية، وهو ما يضع السياسة الإيرانية أمام معادلة يصعب التوفيق بين طرفيها. فمن جهة، ترفع مؤسسات الدولة سقف التهديدات وتتعهد بالانتقام، ومن جهة أخرى، تنخرط القيادة السياسية في مفاوضات مع الطرف الذي توجه إليه الاتهام بالمسؤولية عن العمليات العسكرية التي استهدفت إيران.
ويعكس هذا التزامن تناقضًا واضحًا بين الخطاب والممارسة؛ إذ يصعب، سياسيًا واستراتيجيًا، الجمع بين خطاب يعلن أن الانتقام أولوية وطنية لا تقبل المساومة، وبين مسار تفاوضي يقوم في جوهره على إدارة الخلافات والبحث عن تسويات مع الطرف ذاته. كما أن استمرار المسارين بالتوازي يضعف الرسائل التي تحاول طهران إيصالها إلى خصومها وحلفائها في آن واحد، ويثير تساؤلات بشأن وضوح أولوياتها الاستراتيجية.
وتشير هذه المؤشرات إلى أن إيران تبدو وكأنها تتحرك بين رؤيتين متعارضتين؛ الأولى، تدفع نحو تثبيت معادلة الردع واستعادة هيبة النظام من خلال تنفيذ عملية انتقامية تعيد الاعتبار للقيادة الإيرانية بعد الضربة التي تعرضت لها؛ والثانية، تسعى إلى احتواء تداعيات الحرب عبر الانخراط في مفاوضات مع الولايات المتحدة لتخفيف الضغوط الأمنية والاقتصادية والسياسية. ويبدو أن التوفيق بين هاتين الرؤيتين يزداد صعوبة كلما ارتفع مستوى الخطاب التصعيدي، لأن أي تقدم في المفاوضات قد يُفسر داخليًا على أنه تراجع عن وعود الانتقام، في حين أن أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى نسف المسار التفاوضي برمته.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن النظام الإيراني قد حسم خياره بين المسارين، بل إن المؤشرات الحالية توحي بأن طهران تحاول الإبقاء على الخيارين معًا، رغم ما بينهما من تناقض بنيوي. غير أن استمرار هذا النهج قد لا يكون قابلًا للاستدامة، إذ إن طبيعة الصراع مع الولايات المتحدة تجعل الوصول إلى مرحلة يُصبح فيها الجمع بين التفاوض والانتقام أمرًا بالغ الصعوبة، بما يفرض على القيادة الإيرانية في نهاية المطاف ترجيح أحد الخيارين على الآخر.
وعليه، فإن المشهد الراهن لا يعكس مجرد استخدام متزامن لأدوات القوة والدبلوماسية، بل يكشف عن أزمة في تحديد الأولويات الاستراتيجية، وربما عن تباين في تقدير المصلحة الوطنية بين مراكز صنع القرار داخل النظام الإيراني. ومن ثم، فإن السؤال لم يعد يقتصر على ما إذا كانت طهران ستنتقم أو ستتوصل إلى اتفاق مع واشنطن، وإنما أصبح يتعلق بأي المسارين ستكون له الأولوية عندما يصبح الجمع بينهما مستحيلًا، وهو ما سيحدد مستقبل العلاقات الإيرانية–الأمريكية، كما سيرسم ملامح التوازنات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.