يدخل الاقتصاد الإيراني مرحلة شديدة الحساسية مع تزامن الضغوط الخارجية مع اختلالات مالية ونقدية وهيكلية متراكمة. ويبرز تراجع الريال بوصفه أحد أهم مؤشرات الأزمة، بعدما تجاوز سعر الدولار في السوق الحرة 210 آلاف تومان، بالتزامن مع ارتفاع أسعار اليورو والدرهم إلى مستويات قياسية. ولا يعكس هذا التراجع ضعف العملة فقط، بل يكشف أيضًا تآكل القوة الشرائية وتراجع الثقة بالريال كوسيلة لحفظ القيمة.
وتتحول أزمة سعر الصرف سريعًا إلى أزمة معيشية. فارتفاع تكلفة الواردات ومدخلات الإنتاج يدفع أسعار الغذاء والدواء والسلع الأساسية إلى الارتفاع، بينما يؤدي التضخم إلى تآكل الأجور والمدخرات. ومع ضعف فرص العمل وتراجع الاستثمار، تتسع الضغوط على الطبقة الوسطى والفئات محدودة الدخل، بما يعزز مظاهر البؤس الاقتصادي.

وتزداد خطورة الوضع مع اتساع دائرة الفقر. فقد صرّح المندوب في البرلمان  الإيراني حميد رضا عزيزي فارسان بأن عدد الفقراء في البلاد بلغ نحو 55 مليون شخص، وهذا يعكس حجم القلق بشأن التدهور الاجتماعي واتساع الفئات المتضررة من الأزمة.

ولا يمكن تفسير هذا التدهور بالعقوبات وحدها. فالعقوبات الأمريكية تضيق قدرة إيران على التجارة والاستثمار والوصول إلى العملات الأجنبية والنظام المالي الدولي، لكنها تتفاعل مع مشكلات داخلية تشمل عجز الموازنة، واختلال القطاع المصرفي، والتضخم، وضعف القدرة على ضبط السيولة والإنفاق. كما يضيف الإنفاق المرتبط بالتصعيد العسكري ومشروعها التوسعي في المنطقة، عبئًا إضافيًا على المالية العامة.

وتعمل هذه العوامل ضمن حلقة يصعب كسرها: العجز المالي والضغوط النقدية يرفعان التضخم، والتضخم يضعف الريال، وانخفاض الريال يرفع تكلفة الواردات، فتزداد الأسعار وتتآكل القوة الشرائية، ما يدفع الأفراد والشركات إلى شراء الدولار والذهب لحماية مدخراتهم، فيزداد الطلب على العملات الأجنبية ويتعرض الريال لمزيد من السقوط والانهيار.

وتؤدي هذه الدورة إلى آثار تتجاوز الاقتصاد؛ إذ يضعف ارتفاع الأسعار قدرة الأسر على الاستهلاك، ويحد عدم استقرار السوق من قدرة الشركات على الاستثمار والتوظيف، فتتسع دائرة الفقر والبطالة. ومع استمرار التدهور، يصبح الاستياء الاقتصادي أكثر قابلية للتحول إلى ضغط سياسي، خصوصًا إذا ترسخ الاعتقاد بأن النظام عاجزة عن معالجة جذور الأزمة.

وتزداد المخاطر إذا استمر الخنق الإقتصادي والضغوط الأمريكية وتشددت القيود على الإيرادات والتجارة والمعاملات المالية. كما أن أي تصعيد عسكري واسع قد يفاقم الأزمة من خلال زيادة الإنفاق وعدم اليقين والضغط على سوق الصرف. وفي اقتصاد يعاني أصلًا من هشاشة مالية ونقدية، يمكن لصدمتين متزامنتين، اقتصادية وأمنية، أن ترفعا مستوى الاضطراب بصورة أكبر من قدرة الدولة على الاحتواء وبالتالي يواجه النظام إنهيار إقتصادي او اندلاع إنتفاضة الغضب.

وعليه، فإن الخطر الاستراتيجي لا يكمن بالضرورة في انهيار اقتصادي فوري، بل في تحول البؤس الاقتصادي إلى استنزاف سياسي طويل الأمد. فإذا عجزت السلطات عن كسر الحلقة بين العجز والتضخم وانخفاض قيمة الريال وتراجع الاستثمار والبطالة والفقر، فقد يصبح الاقتصاد تدريجيًا أحد أبرز مصادر تهديد الاستقرار السياسي في إيران. وفي حال اقتران هذا الاستنزاف بصدمة أمنية أو اقتصادية جديدة، قد تنتقل الاحتجاجات  إلى تحدٍ سياسي أوسع تستهدف رأس النظام  وجسده في آن واحد.