آه، كم هي ثقيلة ومدمّرة هذه الجملة حين تقع يوماً في فخ الاحتيال أو لتزوير، ويضيع منك مال أو حق كنت تظن أنك أحسنت حفظه، ثم تذهب باحثاً عن الإنصاف فتسمع من يقول لك، تصريحاً أو تلميحاً، إن «القانون لايحمي المغفلين»، فتعود إلى بيتك مهموماً ومنكسراً، وقد تستحي أن ترفع عينيك وتنظر إلى زوجتك أو أطفالك أو والديك، وربما تتجنب بعض أصدقائك كأنك تعرف الأسئلة التي ستسمعها منهم، كيف صدقته وكيف أعطيته مالك ولماذا لم تتأكد وأين كان عقلك، والأسوأ من كل ذلك أنك ربما تكون قد طرحت هذه الأسئلة على نفسك قبل أن يطرحها عليك أحد.

تبدأ عندها محاكمة أخرى لا قاضي فيها ولا محامٍ ولا قاعة محكمة، تعود فيها إلى أول لقاء وأول كلمة وأول وعد، وتحاول أن تعثر على اللحظة التي كان يجب أن تتوقف عندها، ثم تكتشف أن الأسباب التي جعلتك تثق بذلك الإنسان لم تكن كلها عيوباً فيك كما بدأت تتصور بعد الخسارة، فقد تكون طيبة القلب والوفاء والالتزام بالكلمة وحسن الظن واحترام الصداقة والعِشرة من الأسباب التي دفعتك إلى الثقة، لأن الإنسان كثيراً ما يقيس الآخرين على نفسه، ويتصور أن الكلمة التي تلزمه تلزمهم، وأن العهد الذي يستحي هو من نقضه سيستحي الآخر من نقضه أيضاً.

وربما هنا تكمن إحدى أكثر مفارقات الخديعة إيلاماً، فالذي كذب وخطط واستغل الثقة قد يختفي من المشهد بعد أن يأخذ ما يريد، بينما يبقى المخدوع يحاكم نفسه ويخجل من أسرته وأصدقائه، وكأن صدقه أصبح تهمة وكأن خيانة الآخر أصبحت دليلاً على نقص في عقله، ولهذا طالما استوقفتني هذه المفارقة وسألت نفسي: لماذا نحمّل المخدوع عار الخديعة أكثر مما نحمّل الخادع عار جريمته؟

ولكنني كلما فكرت في هذا السؤال وجدت أن الخديعة لا تتوقف عند الإنسان الفرد، وأن الخسارة ليست دائماً مبلغاً من المال يمكن تعويضه بعد سنة أوعشر سنوات، لأن ما يحدث بين شخصين يمكن، بصورة أكثر تعقيداً وخطورة، أن يحدث بين جماعة وقوة سياسية، وبين شعب ودولة، وعندها يصبح السؤال مختلفاً: ماذا لو لم يكن المخدوع فرداً، وإنما كان شعباً، وماذا لو لم تكن الخسارة مالاً، وإنما سنوات من عمر قضية أو فرصة تاريخية أوجيلاً كاملاً انتظر وعداً لم يتحقق؟

هنا تصبح عبارة «القانون لا يحمي المغفلين» أكثر قسوة، لأن الفرد الذي يتعرض للاحتيال يستطيع أن يطرق باب الشرطة أو المحكمة أو المحامي، وقد يستعيد حقه أو جزءاً منه، أما الشعوب فلا توجد محكمة تذهب إليها عندما تكتشف أن حليف الأمس غيّر موقفه، ولا قاضياً تقف أمامه لتشتكي أن الدولة التي فتحت لك أبوابها وتحدثت عن مظلوميتك وأظهرت تعاطفها مع قضيتك قد أعادت حساباتها واختارت طريقاً آخر، لأن الجواب في السياسة قد يكون بسيطاً وقاسياً في الوقت نفسه: المصالح تغيرت.

ومن هنا، كأحوازي، لا أستطيع أن أقرأ تاريخنا من دون أن أتوقف طويلاً أمام الشيخ خزعل وعلاقته ببريطانيا، ليس لكي أعيد سرد قصة يعرف الأحوازيون نهايتها، وإنما لأنني أجد في تلك العلاقة سؤالاً ما زال حياً بعدن نحو قرن من الزمن، فقد كانت لبريطانيا مصالح واسعة في المنطقة، وكان النفط والموقع الجغرافي والأمن والملاحة يجعلون الأحواز جزءاً مهماً من حساباتها، وكانت علاقتها بالشيخ خزعل في مرحلة من المراحل قوية إلى درجة يمكن معها لمن ينظر إلى المشهد من الداخل أن يطمئن إلى أن قوة كبرى مثل بريطانيا لن تتخلى بسهولة عن رجل ارتبطت معه بعلاقات ومصالح امتدت سنوات.

غير أن السياسة لا تقرأ العلاقات بالطريقة نفسها التي نقرأ بها نحن الصداقة والعِشرة والوفاء، فعندما صعد رضا خان وتغيرت الحسابات البريطانية وأصبحت الدولة المركزية القوية في إيران أكثر انسجاماً مع مصالحها، تغيرت المعادلة التي كان الشيخ خزعل جزءاً منها، وانتهى الأمر في عام 1925 بسقوط سلطته واعتقاله ونقله إلى طهران، وبعد نحو مئة عام يبدو سهلاً علينا أن نقول إن بريطانيا خانت الشيخ خزعل، إلا أنني كلما تأملت تلك المرحلة وجدت سؤالاً أكثر أهمية من كلمة الخيانة نفسها: هل كان الشيخ خزعل يرى بريطانيا حليفاً، في الوقت الذي كانت بريطانيا ترى الشيخ خزعل مصلحة؟

قد يبدو الفرق بين الحليف والمصلحة صغيراً عندما نكتبه في جملة، لكنه في السياسة قد يكون الفرق بين البقاء والسقوط، لأننا عندما نصف شخصاً بأنه حليف نستحضر من دون أن نشعر، شيئاً من مفهوم الوفاء الذي نعرفه في علاقاتنا الإنسانية، بينما المصلحة لا تعرف هذا النوع من الالتزام، فهي تستمر ما دامت أسبابها قائمة، وتتغير عندما تتغير الحسابات، ولهذا ربما كان من أخطر ما يمكن أن تفعله الشعوب أن تدخل عالم السياسة بقاموس العلاقات الشخصية، فتبحث عن الصديق الوفي في عالم يبحث فيه الآخرون عن الأمن والنفوذ والطاقة والموقع وموازين القوى.

ومرت أكثر من خمسة عقود وجاء عام 1979 وسقط نظام الشاه، ودخلت قوى كثيرة الثورة وهي تحمل تصورات مختلفة تماماً لما يجب أن يأتي بعدها، وكان للعرب الأحوازيين أيضاً ما ينتظرونه من المرحلة الجديدة من حقوق قومية وثقافية وسياسية وإدارة لشؤونهم، لكن الأشهر الأولى بعد الثورة كشفت المسافة بين تلك الآمال وبين الدولة التي كانت تتشكل، ثم جاءت أحداث المحمرة في مايو من العام نفسه وما رافقها من صدام وقمع، لتترك أمامنا مرة أخرى السؤال نفسه بصيغة مختلفة، فهل خُدع الأحوازيون بالثورة، أم أنهم رأوا في سقوط النظام القديم فرصة لتحقيق ما كانوا يتمنونه، في الوقت الذي كانت القوى الأخرى المشاركة في الثورة تحمل تصورات مختلفة لمستقبل إيران؟

وهذا السؤال مهم لأن الوقوف معاً ضد عدو واحد لا يعني أن الجميع يريدون المستقبل نفسه، فقد يهتف شخصان بالشعار نفسه ويتظاهران في الشارع نفسه، بينما يريد أحدهما دولة دينية مركزية ويريد الآخر حقوقاً قومية وإدارة محلية، ويريد ثالث نظاماً يسارياً ويريد رابع دولة ديمقراطية، وعندما يسقط الخصم المشترك تبدأ الاختلافات التي أخفاها وجوده بالظهور، وعندها يصبح من الضروري أن نسأل أنفسنا: هل سمعنا في الثورة ما قيل لنا فعلاً، أم أننا سمعنا فيها شيئاً مما كنا نتمنى أن نسمعه؟

ولم يطل الوقت حتى جاءت الحرب العراقية الإيرانية، وأصبحت الأحواز مرة اخرى في قلب صراع إقليمي أكبر منها، ودفع أهلها ثمناً هائلاً من أرواحهم وبيوتهم وقراهم وتهجيرهم، وفي الوقت نفسه ظهرت علاقة معقدة بين أطراف أحوازية والعراق الذي كان يخوض حرباً مباشرة مع إيران، ولا يمكن اختصار ثماني سنوات من الحرب ومواقف الأحوازيين المختلفة بكلمة واحدة من قبيل الوفاء أو الخيانة أو العمالة، لأن التاريخ أكثر تعقيداً من هذه الأحكام، لكن تلك المرحلة تركت لنا سؤالاً ما زال صالحاً لكل علاقة سياسية ندخلها اليوم أو سندخلها غداً: عندما تدعم دولة قضيتك لأنها في صراع مع خصمك، هل أصبحت تلك الدولة حليفاً لقضيتك، أم أصبحت قضيتك واحدة من الأوراق التي تستخدمها في صراعها؟

وربما لا يكون هناك تناقض كامل بين الأمرين، فقد نحتاج إلى دولة وتحتاج إلينا، ونستفيد منها وتستفيد منا، ولا أرى في ذلك عيباً ما دامت العلاقة مفهومة للطرفين، فالسياسة في النهاية تقوم على المصالح، والمشكلة تبدأ عندما ننسى نحن الأساس الذي قامت عليه العلاقة ونحوّل تقاطع المصالح إلى صداقة، ثم ننتظر من الدولة أن تتصرف معنا بالوفاء نفسه الذي ننتظره من الصديق، وعندما تتغير مصالحها نشعر أننا تعرضنا للخيانة.

ومع ذلك، لا أريد أن يتحول الحديث عن تاريخ الأحواز إلى محاكمة لبريطانيا أو العراق أو إيران أو لأي دولة أخرى، لأن وضع المسؤولية كلها على الآخر ينقد يمنحنا شيئاً من الراحة النفسية، لكنه لن يساعدنا كثيراً على فهم أنفسنا، فالسؤال الأصعب الذي ينبغي أن نطرحه بعد قرن من التجارب هو: هل تعلمنا نحن؟ وهل أصبحنا قادرين على التمييز بين من يتعاطف معنا ومن يحتاج إلينا ومن يلتزم معنا، وبين أن يستقبل مسؤول وفداً أحوازياً وبين أن تتغير سياسة دولته تجاه القضية، وبين تصريح سياسي يقال في مناسبة وبين موقف رسمي تستطيع أن تبني عليه، وبين دولة تستخدم القضية الأحوازية للضغط على إيران وبين دولة مستعدة فعلاً لتحمل كلفة سياسية من أجل موقفها من الأحواز؟

وقد يكون أحد أخطر أنواع الخداع السياسي هو ذلك الذي لا يحتاج فيه الطرف الآخر إلى أن يخدعنا بصورة مباشرة، لأن حاجتنا نحن إلى الاعتراف والحليف والانتصار قد تجعلنا نكمل بأنفسنا ما لم يقله، فنسمع تصريحاً ونمنحه معنى أكبر مما يحتمل، ونرى لقاءً مع مسؤول فنعتبره تحولاً في سياسة دولة، ونقرأ تعاطفاً مع معاناة شعبنا وكأنه تبنٍّ لمشروعنا السياسي، ثم تتراكم هذه التفسيرات حتى نبني عليها توقعات كبيرة، وعندما تتغير الظروف أو تظهر حقيقة الموقف نشعر بأن الآخرين خدعونا، مع أن السؤال الذي ينبغي أن نمتلك الشجاعة لطرحه على أنفسنا هو: هل خدعونا فعلاً في كل مرة، أم أننا في بعض المرات خدعنا أنفسنا لأننا سمعنا ما كنا نريد أن نسمعه؟

لقد مر نحو قرن منذ سقوط حكم الشيخ خزعل، وتعاقبت أنظمة وحروب وثورات وتحالفات، وتغير العالم وتغيرت المنطقة وتغير الأحوازيون أنفسهم، ومع ذلك يبقى السؤال قائماً أمامنا: هل تغير فهمنا للتحالفات، أم مازلنا نبحث عن الصديق في عالم تحكمه المصالح؟

وربما يكون السؤال الأهم للأحوازي اليوم ليس من سيقف معنا، لأن انتظار من سيقف معنا يجعل مركز القضية خارجها، وإنما السؤال الذي يستحق أن يشغلنا هو: ماذا نملك نحن حتى يصبح الوقوف معنا مصلحة للآخرين؟ فالدولة قد تتعاطف مع قضية، وقد تستخدمها للضغط، وقد تتحدث عنها في مرحلة ثم تصمت عنها في مرحلة أخرى، أما القضية التي تملك تنظيماً ومشروعاً سياسياً واضحاً وحضوراً وإعلاماً وعلاقات وقاعدة شعبية وقدرة على التأثير، فإن الآخرين لا يتعاملون معها من باب الشفقة وحدها، وإنما يضعونها في حساباتهم.

وعند هذه النقطة أعود إلى الإنسان الذي بدأنا معه المقال، ذلك الذي خسر ماله ثم عاد إلى بيته يسأل نفسه كيف صدق وكيف وثق، فأجد أن المسافة بينه وبين الشعب الذي يخطئ في قراءة السياسة ليست بعيدة كما تبدو، إلا ان الفرق بينهما في حجم الثمن، فالفرد قد يخسر ماله ثم يعمل سنوات ويعوض بعض ما فقده، أما الشعب فقد يخسر فرصة تاريخية، وقد ينتظرجيلاً كاملاً حتى تأتي فرصة أخرى، وقد يكتشف بعد عقود أن الوعد الذي بنى عليه آماله لم يكن وعداً من الأصل، وإنما كان مصلحة مؤقتة فهمها على إنها التزام دائم.

بعد كل ما مر بنا، هل تعلمنا كيف لا نخدع أنفسنا مرة أخرى؟