أزمة البنزين في إيران: وقودٌ للاحتجاجات من جديد


 

ضغوط اقتصادية متصاعدة تنذر بنقص الوقود وتجدد الاحتجاجات الشعبية


 

تدخل أزمة البنزين في إيران مرحلة شديدة الحساسية، بعدما بدأت تتقاطع فيها الضغوط الاقتصادية مع تداعيات الحصار البحري الأمريكي على إيران، وتراجع قدرة الدولة على تأمين موارد النقد الأجنبي اللازمة لاستيراد الوقود، في وقت تتزايد فيه الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي. ومع بدء تطبيق نظام جديد لبيع البنزين في محافظة كرمان، وبلوغ سعر اللتر في إحدى شرائح الاستهلاك 87 ألفاً و200 تومان، تبدو طهران أمام اختبار اقتصادي وسياسي بالغ الخطورة، خصوصاً أن أي زيادة كبيرة في أسعار الوقود تأتي في بيئة اقتصادية واجتماعية متوترة أصلاً.


 

ولا تبدو الأزمة مجرد مشكلة مرتبطة بارتفاع الأسعار أو استمرار الدعم الحكومي، بل نتيجة تراكم اختلالات عدة، في مقدمتها عدم التوازن بين الإنتاج والاستهلاك، والتوزيع غير العادل للدعم، وتهريب الوقود، والضعف الهيكلي في نظام تخصيص الطاقة، إلى جانب الضغوط الخارجية التي تحد من قدرة إيران على استيراد الكميات اللازمة لتغطية العجز.


 

وتكشف الأرقام المتداولة حجم الاختلال؛ إذ يبلغ الاستهلاك اليومي للبنزين نحو 135 مليون لتر، مقابل إنتاج يومي يصل إلى 121 مليون لتر، ما يعني عجزاً يومياً يقدر بنحو 14 مليون لتر. ولا يمكن تغطية هذا العجز إلا من خلال الاستيراد أو خفض الاستهلاك وإعادة تنظيم منظومة التوزيع والحصص.


 

تجربة كرمان: اختبار لرفع الأسعار تدريجياً


 

في هذا السياق، بدأ بيع البنزين بالنظام الجديد في 204 محطات وقود بمحافظة كرمان، مع الإبقاء على شرائح مدعومة للاستهلاك الأساسي. وبموجب النظام الجديد يحصل المستهلك على 60 لتراً بسعر 1500 تومان للتر، ثم 50 لتراً بسعر 3000 تومان، و40 لتراً بسعر 5000 تومان، بينما يصل سعر الشريحة الرابعة إلى 87 ألفاً و200 تومان للتر.


 

ووصف معاون التنسيق للشؤون العمرانية في المحافظة السعر الأخير بأنه «السعر النهائي للمصفاة». ويعني ذلك عملياً أن السلطات تختبر نموذجاً يفصل بين الاستهلاك المدعوم ضمن حصص محددة والاستهلاك الذي يتجاوزها، بحيث يتحمل المستهلك جزءاً أكبر من التكلفة الحقيقية للوقود.


 

وقد يكون هذا النموذج مقدمة لإعادة صياغة أوسع لسياسة تسعير البنزين في إيران، خصوصاً إذا أثبتت تجربة كرمان قدرتها على تخفيف الضغط على الموارد المالية وتقليص الاستهلاك من دون التسبب في صدمة اجتماعية مباشرة. وقال عارف، نائب الرئيس الإيراني: «مضطرون لاتخاذ إجراءات لرفع سعر البنزين تدريجيا».


 

لكن المشكلة لا تتعلق بالسعر وحده. فقد وردت تقارير من مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي عن نقص البنزين في بعض محطات الوقود، بما في ذلك طهران.


 

اعتراف حكومي بصعوبة استيراد البنزين


 

تكتسب تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أهمية خاصة في فهم عمق الأزمة. فقد أقر بتأثير القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية، وقال إن طرق دخول البضائع إلى البلاد أصبحت مغلقة، وإن الحكومة تواجه نقصاً في الموارد اللازمة لاستيراد البنزين.


 

وأوضح بزشكيان أن إيران أنفقت خلال العام الماضي نحو ستة مليارات دولار على استيراد البنزين، لكنها لا تملك، بحسب قوله، الأموال اللازمة لتكرار هذا الإنفاق خلال العام الحالي. كما قال بوضوح إن البلاد «في ظروف حصار» وإنها لا تستطيع استيراد البنزين.


 

وتكتسب هذه التصريحات بعداً أكثر خطورة في ضوء ما قاله وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت خلال شهري أبريل ومايو 2026 بشأن وضع قطاع النفط الإيراني. فقد حذر من أن صناعة النفط الإيرانية تواجه خطر الانهيار، وربط ذلك بالضغوط المفروضة على القطاع والأضرار التي لحقت بالمنشآت النفطية والمصافي، محذراً من احتمال حدوث أزمة ونقص حاد في البنزين.


 

وبالتالي، فإن ارتفاع سعر البنزين في كرمان قد لا يكون مجرد خطوة لتحرير جزء من الأسعار، وإنما محاولة للتعامل مع اختلالات أعمق في العرض والطلب، وفي مقدمتها العجز المتزايد وصعوبة تأمين العملة الأجنبية اللازمة للاستيراد.


 

الحكومة أمام قرار لا يخلو من المخاطر


 

من جهتها، تؤكد تصريحات فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، أن ملف البنزين أصبح على جدول الأعمال الحكومي. فقد أعلنت أن تغيير سعر البنزين أو نظام حصصه «قطعي».


 

وبذلك تتقاطع ثلاثة مؤشرات رئيسية: تجربة كرمان، وتصريحات بزشكيان حول صعوبة استيراد البنزين، وإعلان مهاجراني أن تغيير السعر أو نظام الحصص أمر قطعي. وهي مؤشرات تعطي انطباعاً قوياً بأن الحكومة تدرس تغييراً جوهرياً في نظام إدارة الوقود، حتى وإن لم يتضح نطاقه وشكله النهائي.


 

وتواجه الحكومة الإيرانية معادلة شديدة التعقيد. فمن جهة، يؤدي استمرار الأسعار المنخفضة إلى زيادة الاستهلاك واستنزاف الموارد المالية، ويجعل استيراد البنزين أكثر كلفة في ظل انخفاض موارد النقد الأجنبي. ومن جهة أخرى، فإن رفع الأسعار بصورة كبيرة قد يؤدي إلى موجة تضخمية جديدة، لأن الوقود يرتبط مباشرة بتكاليف النقل وأسعار السلع والخدمات، فضلاً عن إمكانية إثارة ردود فعل اجتماعية واسعة.


 

لكن نجاح هذا النموذج سيبقى مرتبطاً بعامل أساسي: قدرة الحكومة على ضمان استمرار تدفق البنزين إلى محطات الوقود. فإذا أصبح نقص الإمدادات هو المشكلة الرئيسية، فلن يكون تعديل الأسعار وحده كافياً لمعالجة الأزمة.


 

سيناريو تدهور الوضع وأزمة الوقود


 

السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في حدوث تدهور متزامن في قدرة الدولة على استيراد البنزين وتأمين توزيعه داخلياً. فإذا استمرت الضغوط على الموارد الأجنبية، وتعذر استيراد الكميات المطلوبة، وتضررت المصافي أو البنية التحتية النفطية، يمكن أن تتسع الفجوة بين الطلب والعرض تدريجياً.


 

وقد تبدأ الأزمة بنقص مؤقت في بعض المحطات، قبل أن تتحول إلى طوابير طويلة وقيود على الكميات المباعة للمستهلكين، ثم إلى اضطراب أوسع في حركة النقل.


 

وإذا استمر النقص، فسوف ينتقل تأثيره سريعاً إلى أسعار النقل والسلع الغذائية والخدمات، ما يضيف ضغوطاً تضخمية جديدة إلى اقتصاد يعاني أصلاً من أزمات مالية ونقدية.


 

والأخطر أن أزمة البنزين يمكن أن تتحول إلى أزمة ثقة إذا شعر المواطنون بأن الدولة لم تعد قادرة على ضمان الإمدادات الأساسية. وعندها لن تبقى المشكلة محصورة في قطاع الطاقة، بل قد تمتد إلى النقل والتجارة والصناعة والخدمات، لتصبح أزمة الوقود عاملاً مضاعفاً للضغوط الاقتصادية والاجتماعية.


 

ارتفاع الأسعار قد يعيد سيناريو احتجاجات 2019


 

غير أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الجانب الاقتصادي. فرفع أسعار البنزين في الظروف الراهنة يحمل تداعيات سياسية واجتماعية يصعب تجاهلها، خصوصاً إذا جاء متزامناً مع نقص الإمدادات وتدهور القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.


 

وتحمل تجربة عام 2019 دلالة واضحة. فقد أثارت زيادة أسعار البنزين آنذاك احتجاجات شعبية واسعة في إيران، وأصبحت قضية الوقود عاملاً مباشراً في اندلاع موجة من الاضطرابات. واليوم، ومع انسداد الأفق أمام حل سريع لأزمة الوقود، وارتفاع كلفة الاستيراد، وتراجع الموارد، وتزايد الضغوط الخارجية، فإن احتمال عودة الاحتجاجات الشعبية يبقى واحداً من أبرز السيناريوهات التي لا يمكن استبعادها.


 

بل إن الظروف الحالية تبدو، من بعض الجوانب، أكثر تعقيداً من الظروف التي سبقت احتجاجات 2019. فالاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطاً متراكمة، والموارد المالية محدودة، والقدرة على استيراد البنزين أصبحت موضع شك وفق التصريحات الرسمية، في حين أن شبح عودة الحرب لا يزال حاضراً، بالتزامن مع استمرار الضغوط الأمريكية على قطاع النفط والموانئ والبنية التحتية المرتبطة بالطاقة.


 

وفي مثل هذه البيئة، فإن أي زيادة كبيرة في أسعار البنزين لن تُقرأ بالضرورة باعتبارها مجرد إجراء اقتصادي، بل قد ينظر إليها المواطنون بوصفها دليلاً إضافياً على تراجع قدرة الدولة على إدارة الأزمة وتحميلها تكلفة الاختلال الاقتصادي للمجتمع.


 

وهنا تكمن خطورة السيناريو: إذا اجتمع ارتفاع أسعار البنزين مع نقص الوقود، فقد تتحول الصدمة الاقتصادية إلى شرارة احتجاجية. فالأسعار المرتفعة وحدها قد تكون قابلة للاحتواء عبر الحصص والدعم، والنقص وحده قد تتمكن الحكومة من إدارته لفترة محدودة، لكن اجتماع العاملين في وقت واحد يمكن أن يخلق وضعاً شديد الحساسية.


 

الاحتجاجات في ظل شبح الحرب


 

ولا يمكن فصل أي موجة احتجاجات محتملة عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بإيران. فإذا عادت الاحتجاجات على خلفية أسعار البنزين أو نقص الوقود، فقد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيار التدخل السياسي والإعلامي المباشر تحت ذريعة حماية المحتجين من القمع المفرط الذي تمارسه السلطات الإيرانية بحق المحتجين.


 

وهذا السيناريو سيكون أكثر تعقيداً من احتجاجات اقتصادية داخلية محدودة، لأن دخول الولايات المتحدة على خط الأزمة قد يحول الاحتجاجات من قضية معيشية مرتبطة بالوقود إلى أزمة سياسية وأمنية أوسع، خصوصاً في ظل التوتر العسكري القائم وشبح عودة الحرب.


 

وفي هذه الحالة، يصبح من الصعب التنبؤ بقدرة السلطات الإيرانية على التحكم بمسار الاحتجاجات أو احتوائها بسرعة. فالعوامل التي قد تؤدي إلى انفجار اجتماعي ليست مرتبطة بسعر البنزين وحده، وإنما بتراكم الضغوط الاقتصادية، وتراجع القوة الشرائية، ونقص بعض السلع أو الخدمات، والقلق من المستقبل، إضافة إلى التوتر الأمني والعسكري.


 

وبالتالي، فإن رفع أسعار البنزين في هذه المرحلة قد يحمل مخاطر تتجاوز الهدف الاقتصادي المعلن منه. فإذا تمكنت الحكومة من ضمان الإمدادات، والحفاظ على حصص مدعومة للاستهلاك الأساسي، ورفع الأسعار بصورة تدريجية، فقد تتمكن من احتواء التداعيات. أما إذا تزامنت الزيادة مع نقص حقيقي في المحطات، فإن احتمالات الاحتجاجات ستزداد بصورة ملحوظة.


 

الخلاصة: البنزين قد يصبح نقطة الانفجار


 

تشير المعطيات الحالية إلى أن ملف البنزين في إيران دخل مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الضغوط الخارجية على قطاع النفط مع أزمة الموارد الأجنبية، وارتفاع تكلفة استيراد الوقود، واتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، في وقت تبدو فيه قدرة الحكومة على المناورة الاقتصادية والمالية أضيق من أي وقت مضى.


 

فإذا تزامن ارتفاع أسعار البنزين مع نقص الكميات، وارتفاع التضخم، وتراجع القدرة الشرائية، وانسداد الأفق أمام حل سريع للأزمة في ظل الحصار البحري الأمريكي على إيران، فإن أزمة الوقود قد تتحول إلى نقطة انفجار اجتماعي وسياسي، خصوصاً أن البنزين يمثل سلعة شديدة الحساسية في الوعي الاقتصادي والاجتماعي الإيراني.


 

ومن بين أبرز السيناريوهات عودة الاحتجاجات الشعبية في إيران على غرار ما حدث عام 2019، غير أن الظروف الحالية تبدو أكثر تعقيداً وخطورة؛ فالاقتصاد الإيراني يواجه ضغوطاً متراكمة، والموارد المالية والنقدية محدودة، وأزمة استيراد البنزين تتزامن مع توتر سياسي وأمني متصاعد، فيما يلوح شبح عودة الحرب في الأفق.


 

وهذا يعني أن أي احتجاجات جديدة قد لا تبقى محصورة في إطار المطالب الاقتصادية أو الاعتراض على أسعار الوقود. فإذا اتسعت رقعتها، وأصبحت السلطات أمام احتجاجات واسعة، فقد تتدخل الولايات المتحدة على الخط تحت ذريعة حماية المحتجين من القمع المفرط الذي قد تمارسه السلطات الإيرانية، الأمر الذي يمكن أن ينقل الأزمة سريعاً من احتجاجات مطلبية إلى أزمة سياسية وأمنية ذات أبعاد إقليمية ودولية.


 

ومن هنا تكتسب تحذيرات حسين صمصامي، عضو لجنة الاقتصاد في مجلس الشورى، أهمية خاصة. فقد وصف زيادة أسعار البنزين في الظروف الراهنة بأنها أشبه بـ**«شرارة في مستودع من البارود»**. وربما تختصر هذه العبارة جوهر المأزق الذي تواجهه الحكومة الإيرانية: فالمشكلة لم تعد في كيفية رفع سعر البنزين فحسب، وإنما في توقيت الرفع والظروف التي يجري فيها، ومدى قدرة الدولة على توفير الوقود بالتوازي مع تحميل المواطنين كلفة أعلى.


 

وبالتالي، فإن شرارة رفع الأسعار قد تكون قابلة للاحتواء إذا كانت الإمدادات مستقرة والاقتصاد قادراً على امتصاص الصدمة، لكنها تصبح أكثر خطورة عندما تشتعل فوق أرضية اقتصادية واجتماعية وسياسية شديدة الاحتقان.


 

وعليه، فإن تجربة كرمان ستشكل مؤشراً حاسماً خلال المرحلة المقبلة. فإذا بقيت محلية ومؤقتة، مع استمرار تدفق البنزين، فقد تتحول إلى نموذج لإصلاح تدريجي لمنظومة دعم الوقود. أما إذا توسعت لتشمل مناطق أخرى، بالتزامن مع تراجع الإمدادات وارتفاع الأسعار وتدهور الظروف الاقتصادية، فإن أزمة البنزين قد تتحول إلى واحدة من أخطر نقاط الضعف التي تهدد الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في إيران، وقد تصبح بالفعل الشرارة التي تعيد الاحتجاجات الشعبية إلى الشارع الإيراني، في ظرف سياسي وأمني يجعل احتواءها أكثر صعوبة من أي وقت مضى.