تشير تقارير حقوقية متتالية إلى تصاعد ملحوظ في تنفيذ أحكام الإعدام في إيران خلال عام 2026، في ظل استمرار المخاوف بشأن مصير عدد كبير من المعتقلين، ولا سيما الأشخاص المرتبطين بالاحتجاجات والاضطرابات السياسية والاجتماعية الأخيرة. ويأتي هذا التصعيد في وقت تتحدث فيه منظمات حقوقية عن ارتفاع وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام، وعن وجود عشرات المعتقلين الذين يواجهون أحكاماً بالإعدام أو تهماً قد تقود إلى هذه العقوبة.
وأعلنت مؤسسة عبد الرحمن برومند، التي تنشط في مجال توثيق ضحايا العنف المرتبط بالحكومة الإيرانية، في تقرير حديث أن ما لا يقل عن 916 شخصاً أُعدموا في إيران منذ بداية عام 2026، مشيرة إلى تنفيذ 15 حكماً بالإعدام خلال الأيام الاثني عشر الماضية وحدها، وفقاً لما أوردته المؤسسة. كما حذرت من أن عدداً كبيراً من المحتجين المعتقلين يواجهون اتهامات خطيرة، إلى جانب خطر تنفيذ أحكام الإعدام بحقهم.
وتأتي هذه الأرقام في ظل تقديرات أخرى تختلف في حجمها، لكنها تشير في الاتجاه نفسه. فقد أعلنت منظمة حقوق الإنسان في إيران، ومقرها النرويج، أنها وثقت تنفيذ أحكام الإعدام بحق 444 شخصاً خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، بينهم 12 امرأة و17 مواطناً أجنبياً و80 شخصاً من الشعوب غير الفارسية. ويعكس الاختلاف بين أرقام المنظمات الحقوقية طبيعة عملية التوثيق والصعوبات المرتبطة بالحصول على معلومات كاملة وموثوقة من داخل إيران، لكنه في الوقت ذاته يعكس استمرار تنفيذ أحكام الإعدام بوتيرة مرتفعة وفق هذه الجهات.
وتزداد حساسية الملف مع نشر لجنة متابعة أوضاع المعتقلين في إيران أسماء 60 شخصاً قالت إنهم يواجهون أحكاماً بالإعدام داخل سجون إيران. كما أعربت اللجنة عن قلقها بشأن مصير عشرات الملفات الأخرى التي تتضمن اتهامات مثل «المحاربة» و«الإفساد في الأرض» وغيرها من التهم التي يمكن أن تفضي إلى أحكام قاسية، بما فيها الإعدام.
ويشير ذلك إلى أن قضية الإعدام في إيران لا تقتصر على تنفيذ أحكام قضائية صدرت في قضايا جنائية تقليدية، وفقاً للرواية الحقوقية، وإنما ترتبط أيضاً بالملف الأمني والسياسي، ولا سيما في القضايا التي تتصل بالاحتجاجات. وتكمن أهمية هذا الجانب في أن استخدام تهم مثل «المحاربة» و«الإفساد في الأرض» يمنح السلطات إطاراً قانونياً لمحاكمة متهمين في قضايا تعتبرها تهديداً للأمن القومي أو النظام السياسي.
ومن منظور سياسي وأمني، يمكن قراءة تصاعد تنفيذ أحكام الإعدام باعتباره جزءاً من سياسة ردع تهدف إلى منع توسع الاحتجاجات وإرسال رسالة إلى المجتمع بأن المشاركة في أعمال تعتبرها السلطات تهديداً للنظام يمكن أن تترتب عليها عقوبات شديدة. وفي المقابل، ترى المنظمات الحقوقية أن استخدام عقوبة الإعدام في قضايا مرتبطة بالاحتجاجات يمكن أن يحول القضاء إلى أداة للضغط السياسي وترهيب المعارضين.
وتزداد أهمية هذا التطور إذا استمرت وتيرة تنفيذ الأحكام خلال الأشهر المقبلة، إذ إن انتقال الإعدامات من حالات محدودة إلى نمط متكرر يمكن أن يؤدي إلى تداعيات داخلية وخارجية. فعلى المستوى الداخلي، قد تؤدي عمليات الإعدام إلى ردع بعض الفئات عن المشاركة في الاحتجاجات، لكنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى زيادة الغضب الشعبي، خصوصاً إذا ارتبطت الأحكام بمتظاهرين أو ناشطين أو أشخاص ترى عائلاتهم ومنظمات حقوقية أنهم لم يحصلوا على محاكمات عادلة.
أما على المستوى الدولي، فمن المرجح أن يؤدي استمرار تنفيذ أحكام الإعدام إلى زيادة الضغوط الحقوقية والسياسية على الحكومة الإيرانية، وخصوصاً من جانب الدول والمنظمات التي تضع ملف حقوق الإنسان ضمن أولوياتها في التعامل مع طهران. وقد يصبح الملف أيضاً عاملاً إضافياً في فرض عقوبات أو إجراءات دبلوماسية جديدة ضد مسؤولين أو مؤسسات إيرانية مرتبطة بتنفيذ الأحكام.
تقدير الموقف
تُظهر المعطيات الواردة من المنظمات الحقوقية أن ملف الإعدام في إيران يشهد تصعيداً يستحق المتابعة، مع ضرورة التعامل بحذر مع الأرقام المختلفة بسبب صعوبة التحقق المستقل من جميع حالات الإعدام داخل البلاد. لكن المؤشر الأكثر أهمية لا يتمثل فقط في العدد الإجمالي للأحكام المنفذة، وإنما في طبيعة القضايا التي تستهدفها هذه الأحكام، وتزايد ارتباط بعضها بالاحتجاجات والملفات الأمنية والسياسية.
وإذا استمرت السلطات الإيرانية في تنفيذ أحكام الإعدام بحق المعتقلين المرتبطين بالاحتجاجات، فقد يتبلور مساران متوازيان: الأول يتمثل في تعزيز الردع الأمني ومحاولة منع موجات احتجاجية جديدة، والثاني يتمثل في زيادة الاحتقان الداخلي نتيجة تحول بعض عمليات الإعدام إلى رموز سياسية وقضايا رأي عام.
كما أن وجود عشرات المعتقلين الذين يواجهون، بحسب المنظمات الحقوقية، تهماً يمكن أن تقود إلى الإعدام يجعل المرحلة المقبلة شديدة الحساسية. فأي زيادة في تنفيذ هذه الأحكام يمكن أن تؤدي إلى تصعيد حقوقي ودبلوماسي، في حين أن تعليقها أو إعادة النظر في بعض الملفات قد يوفر للسلطات مساحة لخفض الضغوط الخارجية.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول يتمثل في استمرار وتيرة الإعدامات المرتفعة، خصوصاً إذا رأت السلطات أن العقوبة تمثل وسيلة فعالة للردع ومنع تكرار الاحتجاجات. وفي هذه الحالة، من المرجح أن يتصاعد الضغط الدولي، وأن تتحول بعض ملفات المحكومين إلى قضايا دولية بارزة.
السيناريو الثاني هو توجيه الإعدامات بصورة أكبر نحو القضايا الجنائية والأمنية مع تخفيف تنفيذ الأحكام المرتبطة مباشرة بالاحتجاجات، في محاولة لتقليل التكلفة السياسية والدبلوماسية.
أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة داخلياً، فهو أن تتحول عمليات الإعدام إلى عامل محفز للاحتجاجات بدلاً من ردعها، خصوصاً إذا أصبحت أحكام الإعدام بحق المعتقلين جزءاً من المطالب الرئيسية للحركات الاحتجاجية وعائلات المعتقلين.
وبناءً على ذلك، فإن تطور ملف الإعدامات خلال الأشهر المقبلة سيكون مؤشراً مهماً على طبيعة السياسة التي ستعتمدها السلطات الإيرانية في التعامل مع المعارضة والاحتجاجات: هل ستتجه نحو مزيد من التشدد الأمني والقضائي، أم ستسعى إلى احتواء الضغوط عبر تخفيف تنفيذ الأحكام بحق المعتقلين السياسيين والمحتجين؟
في المحصلة، لا يبدو ملف الإعدام منفصلاً عن المشهد السياسي والأمني الإيراني الأوسع، بل يمثل إحدى أدوات إدارة السلطة للصراع مع خصومها ومواجهة الاحتجاجات، وفقاً للمنظمات الحقوقية التي وثقت هذه الحالات. ولذلك فإن ارتفاع عدد الإعدامات، بالتوازي مع استمرار الاعتقالات وصدور أحكام مرتبطة بتهم مثل «المحاربة» و«الإفساد في الأرض»، قد يكون مؤشراً على انتقال السياسة الداخلية الإيرانية نحو مزيد من التشدد والردع القضائي، مع ما يحمله ذلك من مخاطر على الاستقرار الداخلي وصورة إيران الدولية.