الفقر في إيران… من أزمة اقتصادية إلى قنبلة أمنية
الفقر في إيران يتحول إلى ملف «أمني»
يتفاقم الوضع الاقتصادي والمعيشي في إيران في ظل تداخل مجموعة من العوامل الضاغطة، من تراجع قيمة العملة الإيرانية وارتفاع سعر الدولار، إلى ضعف القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف السلع والخدمات وتراجع النشاط الاقتصادي. ويزداد المشهد تعقيداً مع العقوبات والاضطرابات السياسية والأمنية، فيما يرى مراقبون وخبراء في الشؤون الإيرانية أن استمرار إنفاق الدولة على البرامج العسكرية والنووية ودعم الجماعات المسلحة والتدخلات الإقليمية يأتي على حساب معالجة الأزمات المعيشية الداخلية.
وتكشف تصريحات المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، عن جانب لافت من الأزمة، بعدما رفضت تحديد عدد الفقراء في البلاد بحجة وجود «اعتبارات أمنية». ويشير ذلك إلى أن قضية الفقر لم تعد مجرد مؤشر اقتصادي واجتماعي، بل أصبحت، وفقاً لهذه التصريحات، موضوعاً يخضع للرقابة والقيود الأمنية.
عدم إعلان رقم رسمي واضح بشأن أعداد الفقراء يزيد من صعوبة قياس حجم الأزمة الاقتصادية الحقيقية. وفي المقابل، تحذر أصوات اقتصادية وبرلمانية إيرانية من اتساع دائرة الفقر. فقد تحدث الخبير الاقتصادي فرشاد مؤمني عن تحول الفقر إلى ظاهرة واسعة، مشيراً إلى تضاعف عدد الفقراء خلال ثلاث سنوات منذ عام 2023 الإيراني، وفق تقارير حكومية قال إنه اطلع عليها.
كما حذر النائب حميد رضا عزيزي فارسان من تجاوز عدد الفقراء 55 مليون شخص، وهو رقم يعكس، إذا صح، اتساع نطاق الضغوط المعيشية إلى شرائح واسعة من المجتمع.
ولا يقتصر التدهور على انخفاض الدخول. فارتفاع سعر الدولار وانخفاض قيمة الريال الإيراني يؤديان إلى زيادة أسعار السلع المستوردة والمواد الأولية، بينما يؤدي التضخم إلى تآكل الأجور والمدخرات. ومع انخفاض القدرة الشرائية، تصبح الأسر أمام معادلة صعبة تتمثل في ارتفاع الأسعار مقابل دخول لا تواكب هذا الارتفاع.
كما أن الحديث عن عدم توفر بعض البضائع أو صعوبة الوصول إليها يضيف بعداً آخر للأزمة، إذ لا تكمن المشكلة فقط في قدرة المواطن على شراء السلعة، وإنما أحياناً في توفرها وأسعارها في الأسواق.
الحرب والاضطرابات وتداعياتها:
تضيف التطورات الأمنية والسياسية ضغوطاً جديدة على الاقتصاد. ففقدان ملايين من المواطنين وظائفهم، إلى جانب انقطاع الإنترنت لفترات طويلة، يضر بالأعمال والتجارة والخدمات والمهن التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الاتصال الرقمي.
وفي الوقت نفسه، فإن العقوبات والقيود على التجارة والتحويلات المالية وارتفاع تكاليف الاستيراد تفرض ضغوطاً إضافية على الاقتصاد الإيراني، وتزيد صعوبة تأمين احتياجات الأسواق والمحافظة على استقرار الأسعار.
الإنفاق العسكري مقابل الاحتياجات المعيشية:
وتبرز في النقاش حول الأزمة الاقتصادية مسألة أولويات الإنفاق الحكومي. إذ استمرار تخصيص موارد كبيرة للبرنامج النووي والتصنيع العسكري، فضلاً عن دعم الميليشيات والجماعات المسلحة المرتبطة بإيران وتمويل نفوذها الإقليمي في عدد من دول المنطقة يجعل من الأزمة الاقتصادية والمعيشية تتأزم بشكل مضطرب.
وأن استمرار هذه السياسات في وقت يعاني فيه المواطن الإيراني من التضخم وانخفاض قيمة العملة وتراجع القوة الشرائية ونقص فرص العمل يمثل فجوة متزايدة بين أولويات الدولة واحتياجات المجتمع. وفي المقابل، تعتبر السلطات الإيرانية برامجها الدفاعية والأمنية جزءاً من حماية مصالح البلاد وأمنها القومي.
الاستنتاج:
تكشف قضية أعداد الفقراء في إيران عن أزمة تتجاوز المؤشرات الاقتصادية التقليدية. فحين يصبح الإعلان عن حجم الفقر نفسه موضوعاً يحتاج إلى موافقات أمنية، فإن ذلك يعكس حساسية اجتماعية وسياسية متزايدة تجاه الوضع المعيشي.
وتبدو الأزمة نتيجة تراكمية لعوامل متعددة: تراجع قيمة الريال، ارتفاع الدولار، التضخم، ضعف القدرة الشرائية، تراجع فرص العمل، اضطراب التجارة وتوفر السلع، العقوبات، الأزمات الأمنية والحرب، إلى جانب الجدل حول توجيه موارد الدولة نحو الإنفاق العسكري والنووي والسياسة الإقليمية بدلاً من التركيز بدرجة أكبر على تحسين حياة المواطنين.
وفي حال استمرار هذه الاتجاهات من دون معالجة جذرية، فإن اتساع دائرة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى قد يتحولان إلى أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في إيران، بما يجعل الأزمة المعيشية عاملاً مؤثراً ليس فقط في الاقتصاد، وإنما أيضاً في مستقبل العلاقة بين المجتمع والدولة، وخاصة مجتمعات الشعوب غير الفارسية التي تمارس بحقهم سياسات الاضطهاد القومي الممنهج.