في الوقت الذي تتراكم فيه الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية في إيران بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد قضية حقوق الإنسان والحريات العامة مجرد ملف سياسي أو قانوني، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للإنسان في الجغرافيا التي تُسمّى إيران. فبين الاحتجاجات الشعبية التي قوبلت بالقمع، والاعتقالات السياسية المتصاعدة، والقيود المفروضة على حرية التعبير، وأخيراً الانقطاع الطويل للإنترنت، يجد الإنسان نفسه أمام واقع تتراجع فيه المساحات المتاحة للحريات الأساسية بصورة مستمرة.

شهدت إيران، خلال العقود الأخيرة، تدهوراً ملحوظاً في سجل الحريات بمختلف أشكالها. وقد عيّنت الأمم المتحدة مقرراً خاصاً معنيّاً بمتابعة أوضاع حقوق الإنسان في إيران، استناداً إلى تقارير حقوقية تتحدث عن مقتل آلاف الأبرياء على يد النظام الإيراني. ولم تقتصر الانتهاكات على الفرس وحدهم، بل كانت أشد وطأة على الشعوب غير الفارسية، مثل الأحوازيين والبلوش والأكراد والتركمان والأتراك. ومن أبرز الأحداث التي تُستحضر في هذا السياق ما عُرفت “بمجازر خلخالي” ضد الشعوب غير الفارسية في ثمانينات القرن الماضي، مروراً بالتصريحات المنسوبة إلى رفسنجاني الرئيس الإيراني الإسبق بحق العرب، والتي أدت إلى احتجاجات واسعة قوبلت بقمع شديد خلال التسعينات، ثم انتفاضة الأحوازيين عام 2005، وانتفاضة الأتراك عام 2009 بعد أن وصفهم الإعلام الإيراني بالصراصير، واحتجاجات عام 2009 المرتبطة بالانتخابات التي جرت بين أحمدي نجاد ومير حسين موسوي، ثم انتفاضة البنزين عام 2019 التي شهدت أحداثاً دامية في مدينة معشور بحق العرب ومدينة پاوة بحق الكورد، وصولاً إلى أكبر انتفاضة شهدتها إيران في ديسمبر 2025، والتي راح ضحيتها أكثر من خمسين ألف قتيل.

ونظراً إلى القمع العنيف الذي واجهت به السلطات المتظاهرين، اتسعت الفجوة بين النظام الإيراني والمواطنين بصورة متزايدة. فقد تراجعت شعبية النظام إلى مستويات غير مسبوقة في تاريخه السياسي، الأمر الذي دفعه، وفق روايات معارضين وناشطين، إلى اللجوء إلى أساليب متعددة تراوحت بين الترهيب والترغيب لحشد المشاركين في الفعاليات المؤيدة له. وتشير هذه الروايات إلى تهديد بعض العاملين في مؤسسات الدولة بقطع رواتبهم في حال عدم المشاركة في المظاهرات المؤيدة للحكومة، كما تتحدث عن استخدام بعض السجناء من ذوي السوابق الجنائية بعد إخراجهم بصورة إجبارية لحمل الأعلام الإيرانية، فضلاً عن ممارسة ضغوط على الطلاب الأجانب، ولا سيما الأفارقة الذين يدرسون بمنح مقدمة من النظام الإيراني.

وخلال الحربين الأخيرتين، أي حرب الاثني عشر يوماً وحرب الأربعين يوماً، اللتين اندلعتا نتيجة قرارات اتخذها النظام الإيراني وألقت بآثارها على الأوضاع الداخلية والإقليمية، وجد المواطن الإيراني نفسه أمام حرب لم يكن طرفاً في صنعها، إضافة إلى الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة التي كانت البلاد تعاني منها أساساً. وفي تلك المرحلة، وجد النظام الإيراني نفسه في مواجهة أزمة ثقة داخلية متفاقمة، فلجأ، بحسب روايات متداولة، إلى الاستعانة بسجناء للمشاركة في تجمعات مؤيدة له قبل إعادتهم إلى السجون بعد انتهاء الفعاليات. كما جرى الاستعانة بطلاب أجانب في بعض التجمعات الليلية لإظهار حجم أكبر من الحضور الجماهيري. ويعكس ذلك، في نظر منتقدي النظام، حجم الفجوة القائمة بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع.

واقع الحريات الفردية في إيران

عند النظر إلى واقع الحريات الفردية والمجتمعية في إيران، يتضح أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعاً ملحوظاً في مؤشرات الحريات الأساسية، ولا سيما تلك المرتبطة بالحياة المدنية داخل البلاد. وقد تزامن ذلك مع توسع واضح في دور الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في إدارة الشأن العام، حتى أصبح التدخل في أنماط الحياة الشخصية، والرقابة على الأنشطة الاجتماعية والثقافية، وملاحقة الأصوات المنتقدة، جزءاً من المشهد اليومي.

ويمكن قراءة واقع الحريات الفردية من زاويتين: داخلية وخارجية. فعلى المستوى الداخلي، يعاني الفرد في إيران من تحديات متعددة، أبرزها ما يرتبط بالهوية القومية والانتماء الديني والحياة الشخصية. فمن الجانب القومي، تواجه الشعوب غير الفارسية قيوداً متزايدة حتى عندما تعبّر عن مطالبها بصورة سلمية. فقد شهدت مناطق الأحوازيين والأكراد والأتراك احتجاجات مرتبطة بالأوضاع البيئية، ولا سيما أزمة المياه، إلا أن هذه الاحتجاجات قوبلت بإجراءات أمنية مشددة، وسُجن عدد من المشاركين فيها لسنوات طويلة بتهم وصفتها جهات حقوقية بأنها ذات طابع سياسي.

أما من الجانب الديني، فإن الفرد في إيران قد يواجه قيوداً مرتبطة بانتمائه الديني، رغم أن البلاد تُعرّف رسمياً بأنها دولة إسلامية. فوفقاً لتقارير حقوقية متعددة، يواجه المسلمون السنّة صعوبات في بناء المساجد وممارسة بعض شعائرهم الدينية، كما يعاني أتباع ديانات ومذاهب أخرى، مثل المندائيين والبهائيين، من قيود تتعلق بالتعليم والعمل والممارسة الدينية. ولا يُسمح للبهائيين، بحسب تقارير حقوقية، بالالتحاق ببعض المؤسسات التعليمية أو شغل وظائف حكومية معينة، كما تعرضت مقابر تابعة لهم لأعمال تخريب في مناسبات مختلفة.

أما خارجياً، فإن موقع إيران في المؤشرات الدولية يعكس حجم هذه الأزمة. ففي أحدث تصنيف لمؤشر جودة الحياة لعام 2026، جاءت إيران في المرتبة 84، لتكون ضمن الدول المتأخرة في هذا المؤشر، ومن بين العشر الأواخر عالمياً من حيث جودة الحياة. كما تصنف معظم المؤشرات السياسية الدولية إيران ضمن فئة الأنظمة السلطوية، بينما يحتل مؤشر التقدم الاجتماعي فيها مرتبة متأخرة عالمياً، وهو ما يعكس تحديات مستمرة في مجالات جودة الحياة والحقوق الأساسية والخدمات العامة.

ولا تقتصر هذه التحديات على المجال السياسي فحسب، بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. فإيران تواجه معدلات مرتفعة من التضخم، وتراجعاً في القدرة الشرائية، وتحديات متزايدة في قطاع الخدمات، في وقت تسجل فيه مدنها الكبرى مستويات مرتفعة من التلوث البيئي، بينما تتأثر مناطق واسعة من البلاد بظروف مناخية قاسية وموجات حر غير مسبوقة.

الاحتجاجات الشعبية وطريقة تعامل النظام معها

تشهد إيران منذ سنوات موجات متكررة من الاحتجاجات القومية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، شاركت فيها فئات واسعة من المجتمع، بما في ذلك العمال والنقابات والمتقاعدون والمعلمون والممرضون والعاملون في القطاع الصحي والطلاب، إضافة إلى الاحتجاجات القومية للشعوب غير الفارسية، مثل الأكراد والبلوش والعرب الأحوازيين، وذلك في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية وتصاعد المطالب الحقوقية والمعيشية.

وقد أظهرت الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها إيران خلال الأعوام الأخيرة، ولا سيما تلك التي أعقبت حركة «المرأة، الحياة، الحرية» عام 2022، حجم الفجوة بين المجتمع والسلطة. فبدلاً من فتح قنوات للحوار والاستجابة للمطالب الشعبية، اتجه النظام إلى تبني مقاربة أمنية صارمة تقوم على القمع والاعتقالات والمحاكمات ذات الطابع السياسي.

وتبقى الاحتجاجات المرتبطة بالعمال والنقابات والمتقاعدين والمعلمين والممرضين والعاملين في القطاع الصحي من أكثر أشكال الاحتجاج حضوراً في المشهد الإيراني. ففي العديد من القطاعات الحكومية والخاصة لا تُدفع أجور العمال بصورة منتظمة، بل تتأخر في كثير من الأحيان لأشهر عدة قد تصل إلى ستة أشهر أو أكثر. ومع التضخم الاقتصادي الذي يبلغ نحو 50%، واضطرار العامل إلى إعالة أسرته وأفراد آخرين من عائلته، يجد كثير من العمال أنفسهم مضطرين للنزول إلى الشارع في احتجاجات سلمية، غالباً ما تُواجه بإجراءات أمنية مشددة.

أما الاحتجاجات القومية للشعوب غير الفارسية، فلا تزال حاضرة بقوة في المشهد الإيراني. إذ يتهم ناشطون النظام باتباع سياسات متعددة، تشمل مشاريع الاستيطان، والبطالة التي تدفع الشباب إلى الهجرة، وانتشار المخدرات في بعض المناطق. وقد دفعت هذه الظروف الشعوب غير الفارسية إلى تنظيم مظاهرات واحتجاجات متكررة، واجهتها السلطات باستخدام القوة المفرطة، بحسب تقارير حقوقية، ما أدى إلى سقوط ضحايا وإصابة واعتقال الآلاف. كما تحدثت منظمات حقوقية عن استمرار تنفيذ أحكام الإعدام بحق بعض المتهمين في قضايا مرتبطة بالاحتجاجات أو باتهامات أمنية فضفاضة.

حرية التعبير تحت الحصار

تُعد حرية التعبير من أكثر الحقوق تعرضاً للقيود، وهي أيضاً من بين أدنى مؤشرات الحريات عالمياً في إيران. فبحسب بيانات مشروع V-Dem المنشورة عبر Our World in Data لعام 2025، حصلت إيران على 0.17 من 1 في مؤشر حرية التعبير، كما صنّفت منظمة فريدوم هاوس إيران ضمن فئة «غير حرة» (Not Free)، حيث حصلت على 11 من 100 فقط في تقرير «الحرية في العالم 2025»، وهي مستويات متدنية للغاية مقارنة بمعظم دول العالم.

وإلى جانب الرقابة التقليدية التي تمارسها الأجهزة الأمنية، مثل الحرس والجيش والشرطة، على وسائل الإعلام، سجلت إيران مؤشراً سلبياً إضافياً يضاف إلى سجلها في تقييد حرية التعبير. فقد شهدت البلاد خلال الفترة الأخيرة، وخلال حرب الأربعين يوماً، واحدة من أطول حالات قطع الإنترنت في العالم، إذ اعتبرتها جهات مراقبة دولية، مثل موقع NetBlocks، أطول انقطاع وطني واسع النطاق للإنترنت سُجل في إيران، ومن بين الأطول عالمياً على مستوى الدول.

وبحسب بيانات مؤسسات متخصصة في مراقبة الشبكات الرقمية، دخل انقطاع الإنترنت في إيران شهره الثالث، متجاوزاً 90 يوماً متواصلة، مع بقاء مستوى الاتصال الدولي قريباً من الصفر لأكثر من 2093 ساعة. ويُعد هذا الانقطاع من أكبر حالات تعطيل الإنترنت المسجلة عالمياً.

ولا يمثل قطع الإنترنت مجرد إجراء تقني أو أمني، بل يُعد انتهاكاً مباشراً لحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات والتواصل وحرية التعبير. ففي أوقات الأزمات والصراعات، يصبح الإنترنت وسيلة أساسية للحصول على الأخبار وتوثيق الانتهاكات والتواصل مع العالم الخارجي. وعندما يُحرم المجتمع من هذه الوسيلة، تتسع مساحة الرواية الرسمية الأحادية، بينما تتضاءل فرص الرقابة المجتمعية والمساءلة.

كما تلاحق السلطات في إيران الشعراء والفنانين والصحفيين، وقد ازدادت هجرة العقول نتيجة الإجراءات التعسفية والقيود المشددة المفروضة عليهم. وفي مجال حرية الصحافة، جاءت إيران في المراتب الأخيرة عالمياً، إذ احتلت المرتبة 176 من أصل 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2025 الصادر عن مراسلون بلا حدود، ما يجعلها، في نظر كثيرين، بمثابة سجن مفتوح في ما يتعلق بحرية التعبير.

وحين تُغلق معظم النوافذ التي يمكن للإنسان أن يعبّر من خلالها عن رأيه، يتجه كثيرون إلى الشعر بوصفه وسيلة تعبير غير مباشرة. لكن النتائج كانت مأساوية؛ إذ توفي عدد من الشعراء الأحوازيين مثل حسن الحيدري وستار الصياحي، إلى جانب شعراء فرس آخرين مثل عليرضا بيرانوند، في ظروف غامضة، بعد جرعات مشبوهة قيل إنهم تلقوها في السجن أو بعد الإفراج عنهم بأيام.

أما الفنانون، فلهم نصيب آخر من القمع في إيران. فبمجرد وقوفهم إلى جانب الإنسان وقضاياه، تتكالب عليهم الأجهزة الأمنية من كل اتجاه. فعلى سبيل المثال، تعرض الفنانون الأحوازيون عباس السحاقي ومهدي يراحي وعباس دغاغلة لاعتقالات تعسفية، وسُجنوا لأشهر بسبب نشاطهم الفني ومواقفهم الإنسانية.

الشعوب غير الفارسية في إيران: واقع التمييز الممنهج والانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان

رغم الصورة التي يسعى النظام الإيراني إلى تقديمها باعتبار البلاد دولة موحدة ومتجانسة، يكشف الواقع الديموغرافي عن مجتمع متعدد الشعوب والثقافات واللغات، يضم الأحوازيين والبلوش والأكراد والتركمان والجيلك وأتراك أذربيجان الجنوبية، إلى جانب مكونات أخرى. غير أن هذه المجموعات تواجه منذ عقود سياسات متواصلة من التهميش والإقصاء والتمييز الثقافي والسياسي والاقتصادي.

ولا تقتصر هذه السياسات على حرمانها من الحقوق الثقافية واللغوية، بل تمتد إلى الاعتقالات السياسية والإعدامات والمحاكمات غير العادلة، إضافة إلى الحرمان من التنمية الاقتصادية، ما جعل مناطق هذه الشعوب من أكثر الأقاليم تعرضاً لانتهاكات حقوق الإنسان.

الأحوازيون: ثروة النفط وفقر السكان

يمثل إقليم الأحواز مفارقة حادة داخل إيران؛ فعلى الرغم من أنه يضم نحو 85% من احتياطات النفط و90% من الغاز، يعاني سكانه من نسب مرتفعة من الفقر والبطالة والتلوث البيئي.

وتتجلى هذه الأوضاع في سياسات تغيير ديموغرافي تشمل بناء المستوطنات، وجلب مستوطنين، وإقامة مشاريع صناعية تستقدم عمالاً من مناطق أخرى، إضافة إلى مصادرة مساحات زراعية واسعة ومنحها لمتقاعدين من الحرس الثوري والجيش. كما أدت سياسات تحويل مجاري الأنهار وتجفيفها إلى تدهور بيئي حاد، جعل الأحواز من أكثر المناطق تلوثاً وحرارة، ورفع معدلات الهجرة القسرية، وفق تقارير صادرة عن جهات حكومية إيرانية. وفي الوقت نفسه، تُقيَّد اللغة العربية في التعليم، ويُحرم الملايين من حق التعلم بلغتهم الأم.

كما تشهد الأحواز حملات اعتقال متكررة تستهدف النشطاء. وتشير شهادات مفرج عنهم إلى أوضاع سجن قاسية، حيث يُحتجز 20 إلى 25 سجيناً في غرف تتسع لعشرة أشخاص. وغالباً ما تُوجَّه تهم فضفاضة مثل «المساس بالأمن القومي» و«محاربة الله» و«البغي» أو «الانفصال».

وسجلت منظمات حقوقية، مثل هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، عشرات أحكام الإعدام بحق سجناء أحوازيين خلال السنوات الأخيرة.

البلوش: الإقليم الأكثر استهدافاً بالإعدامات

تُعد بلوشستان من أكثر المناطق تعرضاً للقمع في إيران، إذ تُظهر البيانات الحقوقية أن معدلات الإعدام فيها تفوق نسبتها السكانية.

فبحسب تقارير منظمة العفو الدولية ومصادر حقوقية بلوشية، أُعدم نحو 800 بلوشي بين عامي 2004 و2009 من أصل 1481 عملية إعدام في إيران، ما شكّل نحو 55% من الإجمالي، رغم أن عدد البلوش لا يتجاوز سبعة ملايين.

ولم تتوقف هذه الانتهاكات؛ ففي عام 2016 صرحت شهيندخت مولاوردي، نائبة الرئيس الإيراني لشؤون المرأة والأسرة بين 2013 و2017، بقولها: «لدينا قرية في سيستان وبلوشستان أُعدم فيها جميع الرجال».

كما شهد الإقليم خلال احتجاجات 2022 ما عُرف بـ«الجمعة الدامية» في زاهدان، حيث قُتل أكثر من 100 شخص وأُصيب أكثر من 500 خلال ساعات قليلة. وتشير التقارير أيضاً إلى انتشار الاختفاء القسري والتعذيب والتهميش الاقتصادي رغم ثرواته الطبيعية.

الأكراد: الأمننة المستمرة للحياة المدنية

يواجه الأكراد في إيران نمطاً متكرراً من تحويل المطالب المدنية إلى ملفات أمنية، مع تصاعد في الاعتقالات والإعدامات.

ووفق منظمة هانا لحقوق الإنسان، سُجلت 260 حالة إعدام لأكراد خلال عام 2025، بزيادة 65% عن الفترة السابقة، إضافة إلى 827 حالة اعتقال بينهم 56 امرأة و29 طفلاً. وفي عام 2026، وثقت المنظمة 480 اعتقالاً و23 حالة إعدام خلال الأشهر الستة الأولى.

وتشير التقارير إلى استخدام اتهامات أمنية فضفاضة، مع قيود على المحامين والمحاكمات العادلة، وتزايد دور الأجهزة الأمنية في القضاء، ما يثير تساؤلات حول استقلاليته.

أتراك أذربيجان الجنوبية: استهداف الهوية والثقافة

يُعد أتراك أذربيجان الجنوبية أكبر أقلية غير فارسية، إلا أنهم يواجهون سياسات ممنهجة لتقليص حضورهم الثقافي واللغوي.

وتشير تقارير حقوقية إلى حرمان ملايين الأطفال من التعليم بلغتهم الأم، ضمن نظام يعتمد شبه كلياً على الفارسية، إضافة إلى منع تسجيل أسماء تركية وملاحقة النشطاء الثقافيين.

وخلال الأشهر الأخيرة، حُكم على 13 ناشطاً أذرياً بالسجن مجموعها 85 عاماً وتسعة أشهر بسبب نشاطات سلمية. كما أدت أزمة بحيرة أورمية، التي فقدت نحو 95% من مياهها، إلى أضرار بيئية واسعة، وسط قمع للاحتجاجات البيئية.

أنماط مشتركة من الانتهاكات

تكشف أوضاع هذه الشعوب عن نمط متكرر من الانتهاكات، يتمثل أولاً في حرمانها من الحقوق الثقافية واللغوية، وثانياً في الاستخدام المفرط للأدوات الأمنية والقضائية عبر الاعتقالات والإعدامات والتعذيب، وثالثاً في التمييز الاقتصادي وضعف التنمية رغم الموارد الكبيرة.

وتشير هذه المعطيات إلى أن الأزمة تتجاوز الانتهاكات الفردية نحو سياسات ممنهجة تمس الحقوق الجماعية لهذه الشعوب، في ظل استمرار الدعوات المحلية والدولية لاحترام التعددية القومية والالتزام بالاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان.