في القضايا الوطنية، لا تكفي قوة الفكرة أو حجم القوة الاجتماعية التي تستند إليها لإثبات صحة المشروع السياسي؛ فالمعيار الأهم هو: هل تسهم هذه القوة في بناء إطار وطني جامع، أم تعيد إنتاج الولاءات والانقسامات داخله؟ ومن هنا، فإن النقاش حول «مجلس قبائل الأحواز في المنفى» لا ينبغي أن يتحول إلى جدل حول أهمية القبيلة أو إنكار دورها الاجتماعي، وإنما يجب أن يتركز على سؤال أكثر جوهرية: هل يؤدي تحويل القبيلة من مكوّن اجتماعي إلى إطار للتمثيل السياسي يؤدي لتعزيز الوحدة الوطنية، أم ينقل الانتماءات القبلية إلى المجال السياسي ويجعلها مصدرًا للنفوذ والصراع؟ 

إن الاعتراض على تحويل القبيلة إلى إطار سياسي وطني لا يعني إنكار وجودها أو التقليل من مكانتها الاجتماعية والتاريخية في المجتمع الأحوازي. فالقبيلة مكوّن أصيل من مكونات هذا المجتمع، ولها أدوار مهمة في العلاقات الاجتماعية والتكافل وحفظ الذاكرة والهوية. غير أن المشكلة تبدأ عندما تنتقل القبيلة من كونها مكوّنًا اجتماعيًا إلى أن تصبح أساسًا للتمثيل السياسي والنفوذ وصناعة القرار. فوجود القبيلة بوصفها حقيقة اجتماعية أمر، وتحويلها إلى وحدة سياسية أمر آخر يحتاج إلى تبرير وإثبات. 

وينطلق طرح «مجلس قبائل الأحواز في المنفى» من مقدمة صحيحة جزئيًا، وهي أن تجاهل الواقع الاجتماعي لا يؤدي بالضرورة إلى بناء الوحدة الوطنية. لكن القول إن «تجاهل القبيلة لا يصنع الوحدة» لا يعني منطقيًا أن «تنظيم القبائل سياسيًا يصنع الوحدة». فهناك مساحة واسعة بين تجاهل القبيلة وبين تحويلها إلى مؤسسة سياسية. 

وهنا تظهر مسألة جوهرية: القبيلة ليست كالنقابة أو الجمعية أو الاتحادات المدنية؛ فالعضوية في هذه المؤسسات تقوم، في الأصل، على الاختيار والمصلحة المشتركة، بينما الانتماء القبلي انتماء موروث. ولذلك فإن تشبيه القبيلة بمؤسسات المجتمع المدني تشبيه غير دقيق، بل يطرح سؤالًا أكثر أهمية: هل ينبغي أن يتحول انتماء موروث إلى نهج للتمثيل السياسي؟ وهل يصبح شيخ القبيلة ممثلًا سياسيًا لأفراد قبيلته لمجرد مكانته الاجتماعية؟ 

كما أن الاستدلال بتاريخ العلاقة بين النظام الإيراني والقبائل يحتاج إلى قراءة أكثر دقة. فالقول: «إن النظام الإيراني حارب القبيلة لأنها كانت تمثل قوة اجتماعية مؤثرة، إذن يجب أن نعيد تنظيم القبيلة سياسيًا» ينطوي على قفزة منطقية لا يكفي التاريخ لإثباتها. فكون السلطات الإيرانية حاربت القبائل أو سعت إلى تفكيك نفوذها يثبت، في أحسن الأحوال، أنها كانت ترى فيها قوة اجتماعية مؤثرة ومصدرًا من مصادر النفوذ المحلي، لكنه لا يثبت أن تحويل هذه القوة الاجتماعية إلى كيان سياسي هو الخيار الصحيح لبناء المشروع الوطني. 

فليس كل ما تحاربه السلطات الإيرانية ينبغي أن نعيد إنتاجه بالصيغة نفسها، وليس كل قوة اجتماعية صالحة بالضرورة لأن تتحول إلى مصدر لمشروع وطني أو سياسي. 

والسؤال الأهم ليس فقط: لماذا حارب النظام الإيراني القبيلة؟ وإنما: ماذا يترتب سياسيًا على إعادة تنظيمها اليوم؟ هل سيؤدي ذلك إلى بناء وحدة وطنية أوسع، أم إلى إعادة إنتاج الولاءات الجزئية داخل المشروع الوطني؟ وهل ستكون القبيلة رافدًا للمشروع الوطني، أم إطارًا للمنافسة السلبيّة والصراع على النفوذ؟ 

لذلك فإن الاستدلال بمحاربة النظام الإيراني للقبائل لا يكفي لتبرير إقامة إطار سياسي قبلي؛ بل يجب إثبات أن تحويل القوة الاجتماعية للقبيلة إلى قوة سياسية منظمة سيعزز الوحدة الوطنية، ويحافظ على استقلال القرار الوطني، ويضمن أن تكون المواطنة والكفاءة والإرادة الحرة والمصلحة الوطنية أساسًا للتمثيل، لا النسب القبلي أو المكانة الاجتماعية. 

وينطبق الأمر نفسه على القول إن السلطة الإيرانية عملت على توظيف البنية القبلية في السيطرة على المجتمع. فبحسب هذا الطرح، سعت السلطة إلى التأثير في القبائل من خلال بعض شيوخها، وربط بعض القيادات التقليدية بمؤسساتها، بما يسمح باستخدامها وسطاء في إدارة المجتمع واحتواء الأصوات المعارضة والمناهضة، مقابل الحفاظ على نفوذها ومكانتها الاجتماعية. وفي هذا السياق، يُشار إلى ما يُعرف بـ«ستاد عشاير خوزستان» باعتباره إحدى الآليات المرتبطة بإدارة شؤون القبائل في الأحواز. 

وإذا صح هذا التوصيف، فإن الدرس الأهم لا يكمن في رفض الزعامة الاجتماعية، وإنما في إدراك خطورة تحولها إلى أداة للسيطرة أو الوساطة السياسية. 

ومن هنا ينبغي أن يكون السؤال: كيف نحافظ على الدور الاجتماعي للقبيلة من دون أن تتحول الزعامة الاجتماعية إلى مشروع للهيمنة أو المحاصصة أو الاختراق السياسي؟ 

وتزداد هذه المخاوف بالنظر إلى أن المجلس، منذ تأسيسه، لم يُطرح بوصفه إطارًا اجتماعيًا محضًا، بل أُسندت إليه أدوار تتصل بالقضايا الوطنية والسياسية، وهي أدوار تقترب في طبيعتها من بعض الأدوار التي تضطلع بها التنظيمات السياسية. ومن ثم، فإن النقاش حول المجلس لا يقف عند حدود وظيفته الاجتماعية، وإنما يمتد إلى مسألة موقعه ودوره في المجال العام، وما يترتب على ذلك من أسئلة جوهرية بشأن الشرعية والتمثيل: من يمثل من؟ وعلى أي أساس يُختار أعضاء المجلس؟ وهل تقوم العضوية وتولي المسؤولية فيه على الكفاءة والخبرة والإخلاص الوطني، أم أن الانتماء القبلي والمكانة الاجتماعية والقرب من عائلات الشيوخ تظل عوامل مؤثرة في تشكيل عضويته وتحديد مواقع المسؤولية داخله؟ 

فإذا كان شيخ القبيلة ممثلًا لقبيلته، فمن الذي منحه هذا التفويض؟ هل هو الانتخاب، أم النسب، أم العرف؟ وإذا اختلف أحد أبناء القبيلة مع موقف الشيخ، فهل يبقى ممثلًا له؟ وإذا كانت لكل قبيلة حصة أو ممثل، فكيف توزَّع المقاعد: بالتساوي، أم بحسب عدد السكان، أم بحسب المكانة التاريخية للقبيلة؟ 

هذه ليست تفاصيل إدارية، بل أسئلة تمس شرعية المؤسسة وطبيعة التمثيل فيها. 

ولا يحل المشكلة القول إن المجلس يجمع القبائل ولا يميز بينها؛ لأن الإشكال لا يتعلق فقط باحتمال التمييز بين قبيلة وأخرى، وإنما باحتمال تحويل القبيلة نفسها إلى وسيط بين الفرد والوطن. فالمواطن الأحوازي لا ينبغي أن يحتاج إلى شيخ قبيلته او لإثبات انتماءه القبلي  لكي يمارس دوره الوطني، كما لا ينبغي أن يكون انتماؤه القبلي طريقًا إلى المسؤولية السياسية.

وإذا أصبح القرب من شيخ القبيلة أو من عائلته ميزة سياسية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا العصبية القبلية، بل نكون قد نقلناها من المجال الاجتماعي إلى المجال السياسي، ومنحناها إطارًا مؤسسيًا.

وهذا يقود إلى خطر إعادة إنتاج المحاصصة داخل العمل الوطني. فإذا أصبح الانتماء القبلي أو القرب من عائلات الشيوخ عاملًا في اختيار القيادات، فقد تصبح المكانة والنسب أكثر أهمية من الكفاءة والخبرة والقدرة على خدمة القضية. وعندها تتحول المسؤولية الوطنية من تكليف يقوم على الاستحقاق إلى امتياز مرتبط بالانتماء الاجتماعي.

ومن اللافت، في هذا السياق، أن رئيس المجلس المذكور استند، منذ انطلاقه، إلى نسبه وسلالته القبلية بوصفهما دليلًا على مكانته الاجتماعية، ثم انتقل بهما إلى المجال السياسي، وكأن المكانة الاجتماعية الموروثة تمنحه تلقائيًا شرعية سياسية.

وفي المقابل، فإن القول إن فشل التجارب الوطنية السابقة يعود إلى عدم اعتمادها على القبائل هو أيضًا استنتاج غير دقيق؛ إذ تأثرت تلك التجارب بعوامل متعددة، منها القمع الإيراني، والظروف الإقليمية، والانقسامات السياسية والتنظيمية، وطبيعة البيئة التي عملت فيها تلك الحركات. 

وتزداد أهمية هذا التخوف عند استحضار بعض التجارب السابقة في العمل السياسي الأحوازي، ومن أبرزها تجربة الجبهة العربية لتحرير الأحواز، التي تمثل مثالًا تاريخيًا جديرًا بالدراسة والتأمل. فقد أُخذ عند تأسيسها في العراق في الاعتبار التقسيم الجغرافي، إلى جانب المكانة الاجتماعية والقبلية لبعض الشخصيات التي اضطلعت بأدوار قيادية فيها. ومهما اختلفت التفسيرات بشأن دوافع تلك الخيارات، فإن أهمية هذه التجربة لا تكمن في إصدار أحكام نهائية على أفراد أو قبائل، ولا في إدانة القبيلة أو أبنائها، وإنما في محاولة فهم أثر الاعتبارات الاجتماعية والقبلية عندما تتداخل مع عملية بناء المؤسسات والتنظيمات السياسية، وما قد يترتب عليها من تأثير في طبيعة القيادة والولاءات الشخصية والقبلية والمناطقية. 

وقد برزت هشاشة هذا النمط من البناء التنظيمي بصورة أكثر وضوحًا عندما تعرض العراق للقصف والحصار خلال حرب الخليج الثانية في بداية تسعينيات القرن الماضي، إذ تعرضت الجبهة لهزة كبيرة تمثلت في هروب جماعي شمل بعض القيادات المنحدرة من بعض البطون القبلية وشيوخها، وانتهى الأمر ببعضهم إلى اللجوء إلى الطرف الذي كانت الجبهة تقاتله لفترة نحو ثماني سنوات، مفضلين سجون العدو على البقاء في العراق أو الخروج إلى دول أخرى وتحمل مشقة المنفى والتضحيات المرتبطة بالعمل الوطني. ومن هنا، فإن القيمة السياسية والتاريخية لهذه التجربة تكمن في طرح سؤال أوسع حول طبيعة الأسس التي تُبنى عليها القيادة السياسية، ومدى قدرة التنظيم الذي تتداخل في تشكيل قيادته الاعتبارات القبلية والمناطقية والشخصية على الصمود في الظروف الاستثنائية، والحفاظ على تماسكه وأهدافه عندما تتعرض بيئته السياسية والتنظيمية لضغوط قاسية. وفي المقابل، اختار أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية مسارات مختلفة في مواجهة ظروفهم السياسية والأمنية. 

ولذلك لا يمكن اختزال إخفاقات الماضي في غياب الدور القبلي، كما لا يمكن افتراض أن إدخال القبيلة في إطار سياسي سيعالجها تلقائيًا. 

ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: هل القبيلة رجعية أم تقدمية؟ فهذا تبسيط للنقاش. السؤال الحقيقي هو: هل نريد وطنًا يستوعب القبائل، أم نظامًا تكون القبائل فيه وحدات أساسية للتمثيل السياسي؟

فالفرق كبير بين استيعاب القبيلة داخل الوطن وبين بناء التمثيل الوطني على أساس القبيلة. ففي الحالة الأولى تكون القبيلة مكوّنًا اجتماعيًا داخل إطار وطني أوسع، بينما في الحالة الثانية قد يتحول المجتمع السياسي إلى مجموعة وحدات قبلية تتنافس وتتصارع على النفوذ والتمثيل. وفي الأولى يكون المواطن أساس الشرعية، أما في الثانية فقد تصبح الجماعة الموروثة وسيطًا بين الفرد والقرار السياسي. 

كما أن الاستناد إلى تجارب بعض الدول العربية التي استطاعت استيعاب القبائل يطرح إشكالًا؛ لأن نجاح الدولة في استيعاب بنيتها القبلية لا يعني بالضرورة أن القبيلة هي التي بنت الدولة، بل قد يكون العكس: الدولة هي التي استطاعت إدماج البنية القبلية داخل مؤسسات وقوانين أوسع، بحيث بقيت القبيلة مكوّنًا اجتماعيًا دون أن تصبح مصدرًا مستقلًا للشرعية السياسية. 

ومن ثم، فإن قوة أي مشروع وطني لا تقاس بعدد القبائل التي اجتمعت تحت سقف واحد، وإنما بقدرته على جعل الفرد يشعر بأن حقوقه وواجباته ومكانته الوطنية لا تتوقف على القبيلة التي ينتمي إليها. 

ويمكن للقبيلة أن تكون قوة اجتماعية مهمة، وأن يؤدي شيوخها ووجهاؤها أدوارًا في التواصل والتكافل وحل النزاعات، دون أن تتحول مكانتهم الاجتماعية تلقائيًا إلى سلطة سياسية. 

إن المشروع الوطني الأحوازي بحاجة إلى مؤسسات يكون فيها المواطن أساس الشرعية، وتكون الكفاءة والخبرة والنزاهة والإخلاص الوطني معايير لتولي المسؤولية. أما إذا أصبح النسب أو القرب من شيوخ القبائل مدخلًا إلى القيادة، فإننا لا نكون قد تجاوزنا الانقسامات الاجتماعية، بل نكون قد نقلناها إلى المجال السياسي ومنحناها إطارًا مؤسسيًا. 

لذلك فإن جوهر الاعتراض ليس على القبيلة باعتبارها حقيقة اجتماعية، ولا على شيوخها باعتبارهم شخصيات لها مكانتها، وإنما على نقل منطق الزعامة القبلية إلى المجال السياسي وجعله معيارًا للتمثيل والمسؤولية. 

فالقبيلة تستطيع أن تبقى جزءًا من تاريخ المجتمع الأحوازي وهويته الاجتماعية، ويمكن الاستفادة من دورها في تعزيز التواصل والتكافل وحماية الهوية، لكن ذلك يختلف جذريًا عن جعلها أساسًا لتوزيع المسؤوليات الوطنية أو اختيار القيادات السياسية. 

ومن هنا يأتي التخوف الحقيقي: ليس من وجود القبيلة، وإنما من تحويل الانتماء القبلي إلى أساس للعمل الوطني، وتحويل الزعامة الاجتماعية إلى نفوذ سياسي، وتقديم الولاء للقبيلة على حساب الولاء للوطن. فبدل أن تكون القبيلة جزءًا من مشروع وطني جامع، قد يتحول المشروع نفسه إلى مجموعة من الولاءات المتنافسة. 

فالوطن هو الإطار الذي ينبغي أن يستوعب القبيلة، لا أن يتحول الوطن نفسه إلى مجموع للقبائل. وأي مشروع سياسي يسعى إلى بناء مستقبل الأحواز يجب أن يجعل المواطنة والكفاءة والمصلحة الوطنية أساسًا للتمثيل، وأن يتعامل مع القبيلة باعتبارها جزءًا من المجتمع، لا باعتبارها بديلًا عن الوطن.


    من يجمع القبائل لا يجمع الوطن بالضرورة: