يثير إصرار بعض الأحوازيين، ولا سيما بعض أبناء قبيلة بني كعب، على تسمية إمارة الفلاحية باسم «الدولة الكعبية الأولى»، وإمارة المحمرة أو عربستان باسم «الدولة الكعبية الثانية»، تساؤلًا مهمًا: هل نريد توثيق تاريخ الأحواز بما يعزز هويتنا الوطنية المشتركة، أم نعيد تقديم هذا التاريخ من زاوية الانتماء القبلي؟

لا خلاف على الدور التاريخي الذي أدته قبيلة بني كعب في الأحواز، ولا على حق أبنائها في الاعتزاز بتاريخهم وإسهاماتهم. لكن الاعتزاز بالقبيلة شيء، وجعل اسمها محورًا لتسمية الإمارات والممالك التي حكمت المنطقة شيء آخر. فالتاريخ الأحوازي أوسع من أي قبيلة، ولا ينبغي أن يتحول إلى مجال للمنافسة على الأسماء والألقاب القبلية.

إن إمارة الفلاحية، المعروفة أيضًا بالدورق، وإمارة المحمرة أو عربستان، لهما تسميات تاريخية متداولة في الكتابات والمصادر. وإذا كانت بعض المصادر تستخدم تسمية «الدولة الكعبية»، فهذا يستحق التوثيق والدراسة، لكنه لا يعني بالضرورة أن نجعل هذه التسمية العنوان الأساسي لتاريخ الإمارة، أو أن نهمّش أسماءها الأخرى الأكثر ارتباطًا بمكانها وهويتها التاريخية.

لماذا نصرّ على إبراز اسم القبيلة، بينما يمكننا إبراز اسم الإمارة نفسها؟ أليس من الأجدى أن نتعامل مع تاريخنا بمعيار واحد، بعيدًا عن أي انحياز قبلي؟

إن الإصرار على تسمية الإمارات والممالك التي تأسست في الأحواز بأسماء القبائل يعزز الانتماء القبلي ويقويه على حساب الانتماء والشعور الوطني. وهذا لا يخدم بناء هوية وطنية جامعة، بل قد يدفع الأجيال إلى الفخر بالقبيلة قبل الفخر بالوطن. ومن واجب الجميع المشاركة في تعزيز الانتماء الوطني بين الأجيال، لا تكريس الانتماء القبلي أو تحويل التاريخ إلى وسيلة لتعظيم قبيلة على حساب الهوية الأحوازية المشتركة.

لنتأمل مثال إمارة الدبيسية التي تأسست في الأحواز على يد دُبيس بن عفيف الأسدي، أحد زعماء قبيلة بني أسد العربية، وفقًا للرواية التاريخية الواردة في المعلومات المتداولة عنها. ومع ذلك، عُرفت الإمارة باسم الدبيسية نسبةً إلى مؤسسها، ولم يصبح اسم «الدولة الأسدية» هو الاسم الذي تُعرف به لمجرد أن مؤسسها ينتمي إلى بني أسد. وهذا مثال يوضح أن الانتساب القبلي للمؤسس لا يفرض بالضرورة تسمية الإمارة باسم القبيلة.

وينطبق السؤال نفسه على الدولة المشعشعية؛ فهل يصح أن نستبدل اسمها التاريخي بتسمية مثل «دولة الموالي» أو «الدولة الموسوية» لمجرد ارتباط مؤسسها بنسب أو انتماء معين؟ من الواضح أن مثل هذا التغيير يحتاج إلى أساس تاريخي موثق، ولا يكفي فيه الانتساب وحده.

المقصود هنا ليس الاعتراض على اسم «الدولة الكعبية» لمجرد أنه يرتبط ببني كعب، ولا التشكيك في دور هذه القبيلة، بل الاعتراض على انتقاء تسمية قبلية والتركيز عليها على حساب تسمية تاريخية أخرى، من دون اعتماد معيار واضح وموحد في توثيق تاريخ الإمارات الأحوازية.

وقد ذكر الكاتب العراقي الأستاذ علي نعمة الحلو تسمية «الدولة الكعبية»، في حين تستخدم كتب ومصادر أخرى تسمية «إمارة الفلاحية». وهذا الاختلاف ينبغي أن يكون مدخلًا للبحث والمقارنة بين المصادر، لا سببًا لفرض تسمية واحدة وتهميش الأخرى. وإذا ثبت تاريخيًا أن للإمارة أكثر من اسم، فمن الأمانة العلمية ذكر الأسماء وتوضيح سياقات استعمالها، مع بيان الاسم الأكثر شيوعًا في المصادر الموثوقة، بدلًا من تحويل المسألة إلى قضية انتماء قبلي. أما فيما يخص إمارة المحمرة أو عربستان، فلم يذكر أي مصدر تاريخي تسميتها بـ«الدولة الكعبية الثانية».

إن المشكلة تبدأ عندما يصبح اسم القبيلة أهم من اسم الإمارة، وعندما يُقدَّم التاريخ وكأنه إنجاز قبلي خاص، لا جزءًا من تاريخ الأحواز المشترك. فالإمارات والممالك التي قامت على أرض الأحواز أسهمت في تشكيل تاريخ المنطقة، وهذا التاريخ ملك لجميع أبنائها، وليس حكرًا على قبيلة أو جماعة.

نحن بحاجة إلى كتابة تاريخنا بروح وطنية جامعة، تحترم القبائل جميعها وتقدّر أدوارها، لكنها لا تجعل الانتماء القبلي معيارًا لتسمية الإمارات أو تقييم مكانتها. فالفخر ببني كعب لا يتعارض مع الفخر ببني أسد وسائر القبائل العربية الأحوازية، كما أن الاعتزاز بالهوية الوطنية لا ينتقص من مكانة أي قبيلة.

لا يجوز أن يتحول تاريخ الأحواز إلى ساحة للتنافس القبلي؛ فالإمارات التي قامت على أرضه إرث وطني مشترك، وليست ملكًا لقبيلة واحدة.  الأحواز وطنٌ الجميع ، لا سجلٌّ لتكريس أسماء القبائل؛ فحين نضع القبيلة فوق الإمارة والوطن، نُضعف هويتنا الجامعة ونورّث الأجيال انقسامًا لا تاريخًا. فالقبائل جزء أصيل من تاريخ الأحواز، لكنها ليست بديلًا عن الوطن، ولا ينبغي أن تطغى أسماؤها على أسماء الإمارات التي شكّلت صفحات من تاريخه.