تكشف التصريحات الإيرانية  عن انتقال واضح في خطاب طهران من توصيف الضغوط الأمريكية باعتبارها عقوبات اقتصادية إلى اعتبارها حرباً اقتصادية شاملة تستهدف النظام الإيراني واستقراره الداخلي. وفي المقابل، تشير تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بسنت إلى أن واشنطن تتعامل مع الضغط الاقتصادي بوصفه مرحلة جديدة في استراتيجية تستهدف خنق الموارد الإيرانية وعزلها مالياً واقتصادياً.

ويتزامن ذلك مع مؤشرات داخلية شديدة الحساسية، أبرزها أزمة البنزين، احتمال خفض حصص الوقود ورفع سعر البنزين غير المدعوم، تراجع قدرة الدولة على استيراد البنزين، السحب من الاحتياطيات، اضطراب التجارة والتحويلات المالية.

وتكشف التصريحات أيضاً عن انقسام أو تباين داخل مؤسسات الحكم الإيراني حول إدارة الأزمة: فبينما يدعو الرئيس مسعود پزشکیان ومسؤولون اقتصاديون إلى مراجعة منظومة دعم البنزين والتعامل مع الواقع المالي، يحذر رئيس مجلس الشورى محمدباقر قاليباف من رفع الأسعار، في حين تحذر الأجهزة الأمنية والعسكرية من استغلال الأوضاع المعيشية لإحداث اضطرابات.

أما خارجياً، فتتبنى طهران خطاباً أكثر تصعيداً، يتضمن التهديد بمنع تصدير النفط من مضيق باب السلام/ هرمز أو الخليج العربي، واعتبار الدول التي تتعاون مع واشنطن في الحرب الاقتصادية أطرافاً معادية، مع التلويح باستهداف مصالحها الاقتصادية في المنطقة.

وعليه، فإن الأزمة الحالية لا تبدو اقتصادية فقط؛ بل تتشكل كـ أزمة متعددة المستويات تجمع بين الضغط الخارجي، الاختناق المالي، أزمة الطاقة، الشرعية الاجتماعية، والتصعيد العسكري والأمني.

خلفية التصعيد وأسباب التصريحات

يمكن تفسير التصريحات الإيرانية المتلاحقة في ضوء خمسة تطورات رئيسية:

  1. بدء أو التحضير لجولة أمريكية جديدة من الضغوط الاقتصادية، وصفها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بسنت بأنها ستكون من أشد وأكبر حملات العزل الاقتصادي ضد إيران.
  2. القيود المفروضة على التجارة والتحويلات المالية الإيرانية، بما في ذلك التداعيات  لوقف الإمارات التعاملات التجارية والمالية مع إيران.
  3. المخاوف من أزمة وقود داخلية نتيجة القيود على الاستيراد والسحب من مخزونات البنزين، بالتزامن مع الحصار البحري الأمريكي.
  4. الأزمة المالية الداخلية، التي تجعل استمرار بيع البنزين المدعوم بأسعار منخفضة جداً أكثر كلفة على الحكومة، في وقت تواجه فيه الدولة التزامات مالية تجاه الموظفين والمتقاعدين والمزارعين والتأمينات وبرامج الدعم.
  5. الخوف الأمني من تكرار احتجاجات نوفمبر/تشرين الثاني 2019، عندما أدى رفع أسعار البنزين بصورة مفاجئة إلى احتجاجات واسعة واجهتها السلطات بقمع دموي.

ومن هنا تأتي عبارة إسماعيل سقاب أصفهاني، رئيس منظمة تحسين وإدارة الطاقة الاستراتيجية، بشأن ضرورة «عدم مفاجأة الناس كما حدث في عام 2019»، وهي إشارة صريحة إلى أن القرار الاقتصادي بات مرتبطاً مباشرة بالحسابات الأمنية والسياسية.

الموقف الإيراني من التصعيد الاقتصادي الأمريكي

1. إسماعيل بقائي – المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية

قال إسماعيل بقائي إن الجولة الجديدة من الضغوط الاقتصادية الأمريكية على الحكومة الإيرانية تمثل «إرهاباً اقتصادياً». وأوضح في مؤتمره الصحفي الأسبوعي أن واشنطن كانت تستخدم سابقاً مصطلح «العقوبات الاقتصادية» ضد إيران، وأنها كانت تحاول «تبرير هذا الإرهاب الاقتصادي والحرب الاقتصادية بتعابير مختلفة».

وأضاف، في إشارة إلى الولايات المتحدة، أن «أمريكا التي كان من المفترض أن تأتي لمساعدة الإيرانيين تستخدم كل أداة لمعاقبة الإيرانيين». وفي حديثه عن تغير النهج الإيراني في السياسة الخارجية، استخدم بقائي تشبيهاً لافتاً، قائلاً:

«لقد كنا لاعبي شطرنج منذ القدم، وفي السنوات الأخيرة أصبحنا أيضاً لاعبي بوكر. والآن، منذ فترة، نلعب بمزيج من الاثنين».

ويكشف هذا التشبيه عن تصور إيراني يقوم على الجمع بين الحذر الاستراتيجي والمخاطرة المحسوبة، أي عدم التخلي عن أدوات التفاوض والمناورة، مع الاستعداد لاتخاذ خطوات أكثر جرأة عندما ترى طهران أن مصالحها الحيوية مهددة.

وفي تصريحات أخرى، قال بقائي إن نشر ناقلات الوقود الأمريكية في بلغاريا كان «خطأً منذ البداية» واعتُبر مشاركة في الحرب ضد إيران، كما وصف الحصار البحري بأنه «عمل عدواني»، مؤكداً أن إيران «ليست مكتوفة الأيدي» في هذا المجال. كما قال إن «لا دولة يحق لها أن تتعاون مع أمريكا في الحرب الاقتصادية» ضد إيران.

2. كاظم غريب‌آبادي – نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية

رد كاظم غريب‌آبادي على تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بسنت، متسائلاً عن التناقض بين الحديث الأمريكي عن تدمير القدرات الإيرانية وبين الحاجة إلى تصعيد اقتصادي واسع.

وقال مخاطباً بسنت: «حساب روايتكم لا يستقيم: تقولون إن القدرة العسكرية الإيرانية “فُككت”، وإن 100 بالمئة من المصانع العسكرية “دُمّرت”، وإن البرنامج النووي “دُفن”؛ لكن من أجل هذا “أكبر هجوم مالي في التاريخ” وتعبئة “جميع المؤسسات والصلاحيات” الأمريكية كان الأمر ضرورياً».

ثم طرح السؤال: «هل هذا انتصار أم اعتراف بفشل أمريكا؟»

ويهدف الخطاب الإيراني هنا إلى تحويل التصعيد الاقتصادي الأمريكي من أداة ضغط إلى دليل على عدم نجاح الحملة العسكرية والسياسية السابقة في تحقيق أهدافها، وهو ما يمثل محاولة لرفع المعنويات داخلياً وإظهار أن واشنطن اضطرت إلى استخدام أدوات اقتصادية إضافية بسبب عدم تحقيق أهدافها بالوسائل الأخرى.

الموقف الأمريكي

سكوت بسنت – وزير الخزانة الأمريكي

كتب سكوت بسنت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قضى على «القدرات العسكرية» الإيرانية، ودمر «ما يقارب 100 بالمئة من مصانعها العسكرية»، و«دفن» برنامجها النووي. وأعلن أن عملية اقتصادية حاسمة ضد إيران ستبدأ اعتباراً من صباح الاثنين، مضيفاً: «نحن الآن ندخل المرحلة النهائية من اللعبة».

كما قال بسنت إن الخطة الأمريكية لتشديد العقوبات الاقتصادية على إيران تهدف إلى «إسقاط» حكومة النظام الإيراني. ووصف الحملة بأنها: «أكبر عزلة اقتصادية منسقة في تاريخ العالم».

وعليه، فإن واشنطن لا تقدم الإجراءات الجديدة باعتبارها مجرد عقوبات إضافية، بل باعتبارها حملة منظمة تستهدف مصادر التمويل والقدرة الاقتصادية للنظام الإيراني.

أزمة البنزين باعتبارها نقطة الضعف الداخلية الرئيسية

1. محسن حاجي ميرزائي – رئيس مكتب الرئيس مسعود پزشکیان

قال محسن حاجي ميرزائي إن حصة البنزين المخصصة للسيارات في إيران ستنخفض، وإن سعر البنزين الحر سيرتفع. وأوضح أن الحكومة تدرس سعر البنزين غير المدعوم، وقال: «بالتأكيد ستنخفض حصة البنزين إلى حد ما. سعر البنزين المدعوم لن يتغير، لكن سعر البنزين غير المدعوم سيرتفع». وتأتي هذه التصريحات في ظل تقارير عن استعداد حكومة مسعود پزشکیان لتحديد سعر البنزين الحر لما يسمى «الحصة الرابعة» للسيارات.

2. إسماعيل سقاب أصفهاني – رئيس منظمة تحسين وإدارة الطاقة الاستراتيجية

رحب إسماعيل سقاب أصفهاني بانتقادات الخبراء المتعلقة بالبنزين، وقال: «ينبغي، بطبيعة الحال، النظر إلى الظروف بعقلانية». وأضاف: «لم يعد بالإمكان تقديم أرقام خاطئة من وراء الكواليس، أو تبديل السيناريوهات بين ما هو منخفض التكلفة وما هو مرتفع التكلفة. ومن الآن فصاعداً، يمكن أن تكون استطلاعات الرأي الموثوقة أساساً لاتخاذ القرارات». كما أكد أن توجيه الرئيس هو: «عدم مفاجأة الناس كما حدث في عام 2019». وهذه الإشارة مهمة للغاية، لأنها تعكس إدراك الحكومة أن إصلاح أسعار الوقود في الظروف الحالية يحمل مخاطر اجتماعية وسياسية كبيرة. وقد شهدت محافظة كرمان بالفعل تجربة لرفع سعر البنزين الحر بصورة مؤقتة، لكنها أوقفت بعد ساعات من تنفيذها، وقيل إن الهدف كان منع «مفاجأة» المواطنين، والخوف من إندلاع إحتجاجات شعبية.

محمد رضا عارف – النائب الأول للرئيس الإيراني

وصف محمد رضا عارف إزالة دعم البنزين بأنها «إجراء جيد»، لكنه قال إن هذا الإجراء لن ينفذ إذا كان المواطنون يعارضون رفع أسعار الوقود. وتعكس هذه التصريحات محاولة للموازنة بين الحاجة الاقتصادية إلى تقليص الدعم وبين الخوف من التداعيات الاجتماعية والسياسية لرفع الأسعار.

مسعود پزشکیان – الرئيس الإيراني

انتقد الرئيس مسعود پزشکیان مراراً انخفاض سعر البنزين وحجم الدعم الذي تتحمله الدولة. وقال: «من قال إن على الحكومة أن تشتري البنزين بسعر 130 ألف تومان ثم تبيعه بـ1500 تومان؟» وفي خطاب آخر، ربط بين ارتفاع تكلفة الطاقة والضغوط المالية التي تواجه الدولة، قائلاً: «من قال إن على الحكومة أن تشتري البنزين بسعر 130 ألف تومان ثم تبيعه بـ1500 تومان، ثم نواجه قيوداً في زيادة رصيد بطاقات السلع، والوفاء بالالتزامات المالية لمزارعي القمح، والتأمينات، ومعيشة العمال والمتقاعدين والموظفين؟» وتكشف هذه التصريحات عن جوهر المشكلة المالية: الدولة تواجه خياراً صعباً بين استمرار الدعم المكلف أو رفع الأسعار مع احتمال حدوث اضطرابات اجتماعية. كما قال پزشکیان إن الحصار البحري الأمريكي والقيود المالية أثرا على الصادرات والواردات.

محمدباقر قاليباف – رئيس البرلمان الإيراني

اتخذ محمدباقر قاليباف موقفاً أكثر تحفظاً تجاه رفع أسعار البنزين.

قال إن رفع سعر البنزين من جانب حكومة پزشکیان «ليس تدبيراً محسوباً»، مدعياً أن «العدو» خطط لهذه المسألة. وفي مناسبة أخرى، حذر من الوضع الاقتصادي والاجتماعي، قائلاً: «مهما كانت لدينا من قوة عسكرية، فإذا كان الناس جائعين، ولم تكن هناك حركة مالية ونمو اقتصادي وإنتاج وطني، فلن نصمد». وقال أمام من وصفوا بأنهم «نشطاء اقتصاديون من إيران والعراق» إن القرارات الأمريكية الجديدة لفرض عقوبات اقتصادية شديدة «ظالمة»، داعياً إلى التخطيط للتغلب عليها. وبصفته رئيس مجموعة التفاوض الإيرانية مع الولايات المتحدة بعد الحرب الأخيرة، دعا قاليباف إلى استخدام العملتين الإيرانية والعراقية في التجارة بين البلدين، وقال: «يمكن توجيه ضربة إلى العملة الأمريكية». وتظهر تصريحات قاليباف إدراكاً متزايداً بأن القوة العسكرية وحدها لا تكفي إذا أدى الضغط الاقتصادي إلى تآكل القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان.

مؤشرات أزمة الوقود

أعلن ياسر ميرزايي، نائب منظمة تحسين الطاقة، أن إيران تواجه قيوداً على استيراد البنزين، وأنها قامت خلال العام الحالي بسحب كمية كبيرة من احتياطيات البنزين. وحذر من أن تحويل السحب من الاحتياطيات إلى ممارسة طويلة الأجل سيؤدي إلى مشكلات. وتأتي هذه التحذيرات بالتزامن مع تقارير مواطنين على شبكات التواصل الاجتماعي عن نقص البنزين في بعض المناطق وطوابير طويلة أمام بعض محطات الوقود.

وهذا يجعل أزمة البنزين ليست مجرد قضية دعم مالي، وإنما قضية مرتبطة بـ:

  • أمن الطاقة.
  • قدرة الحكومة على الاستيراد.
  • توفر العملة الصعبة.
  • استقرار الأسعار.
  • حركة النقل.
  • مستوى الرضا الشعبي.
  • احتمالات الاحتجاج.

فساد منظومة تهريب الوقود

قدم إسماعيل سقاب أصفهاني، رئيس منظمة تحسين استهلاك الوقود وإدارة الطاقة، تقريراً مصوراً حول الفساد البنيوي في تهريب الوقود. وقال: «كلا الجناحين السياسيين في البلاد متورطان في تهريب الوقود، وإذا أردت إغلاق متاجرهم فسوف يحطمون زجاج مكتبي». وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تنقل أزمة الوقود من مستوى الخلل الاقتصادي إلى مستوى الفساد المؤسسي والصراع بين شبكات المصالح. وخلال السنوات الماضية، نشرت وسائل إعلام إيرانية أرقاماً مختلفة عن تهريب ملايين اللترات من الوقود يومياً، فيما يرى بعض الخبراء أن جانباً مهماً من التهريب منظم، بينما وجهت بعض المصادر الرسمية الاتهام إلى جهات ومؤسسات حكومية و«شبه حكومية».

محسن رضائي – أمين المجلس الأعلى للأمن القومي

قال محسن رضائي إن أي دولة تشارك مع الولايات المتحدة في فرض مزيد من القيود الاقتصادية على إيران ستُعتبر، من وجهة نظر إيران، «عدواً». وهدد بأن مثل هذه الدول قد تصبح أهدافاً للهجمات. كما قال في مقابلة تلفزيونية إن استمرار الخطة الأمريكية الجديدة سيؤدي إلى أن إيران لن تسمح بخروج «قطرة نفط واحدة، ليس فقط من مضيق باب السلام/ هرمز وإنما من الخليج العربي بأكمله». وأضاف أن طهران ستعتبر مشاركة أو دعم أي دولة للحرب الاقتصادية الأمريكية ضد الشعب الإيراني عملاً حربياً. ويمثل هذا الخطاب انتقالاً من الرد الدبلوماسي على العقوبات إلى التهديد بإحداث اضطراب في أمن الطاقة الإقليمي والعالمي.

موقف الحرس الثوري والأجهزة الأمنية

قال المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني «إن لدى إيران سيناريوهات لكل إجراء «عدائي من جانب العدو»، ومن بينها الحرب الاقتصادية، مضيفاً أن إيران قادرة على إقامة علاقات اقتصادية مع دول مختلفة وتجاوز الولايات المتحدة في هذه التعاملات. كما أصدر الحرس الثوري بياناً بمناسبة «أسبوع الحكومة» قال فيه إن: «التآزر مع الحكومة هو مفتاح عبور العقوبات متعددة الطبقات».واتهم «العدو» بتصميم حرب اقتصادية وعقوبات متعددة الطبقات بهدف: إيجاد اليأس، والضغط على معيشة الناس، وانهيار الثقة الاجتماعية».

أما أحمد رضا رادان، قائد قوات إنفاذ القانون الإيراني، فقال إن «العدو» يستخدم قضايا المعيشة والبنزين والاقتصاد بهدف «إحداث الفوضى» في جميع أنحاء البلاد. وأضاف أن التعامل يجب أن يكون مع الأشخاص الذين يعملون في «الطبقات الخفية والسوداء» داخل المجتمع وعلى شبكات التواصل الاجتماعي ويقومون، بحسب وصفه، بـ«معاقبة الشعب».

وفي هذا السياق، قال مسعود پزشکیان إن الشعب الإيراني أكثر وعياً من أن يقع في خداع «الأعداء الماكرين والمجرمين والاستغلاليين»، وأضاف أن إجراءات الأعداء أعاقت معالجة أوضاع المواطنين.

وتكشف هذه التصريحات عن أمننة متزايدة للملف الاقتصادي، بحيث يتم التعامل مع الاحتجاجات المحتملة أو الحملات المعارضة على وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها جزءاً من حرب اقتصادية وأمنية.

التهديدات العسكرية والإقليمية

قاسم روانبخش – نائب رئيس لجنة الشؤون الداخلية في مجلس الشورى

وصف قاسم روانبخش الحصار البحري الأمريكي بأنه يتجاوز القرار السياسي إلى كونه «إجراءً غير إنساني». وقال إن الولايات المتحدة يجب أن تعرف أن إيران ليست وحدها على الساحة الدولية، وأن وجود دول مثل الصين وروسيا إلى جانب إيران سيؤدي، بحسب رأيه، إلى إفشال استراتيجية العقوبات.

أمير حاتمي – القائد العام للجيش الإيراني

قال أمير حاتمي: «نحن نقاتل عشرة أجيال وعشرين جيلاً، ولن نسمح للعدو بتغيير خريطة البلاد». وأضاف: «الطريق الوحيد هو أن نفهم العدو بلغة القوة أنه لا يستطيع القيام بما يريد». كما قال إن العدو، بعد فشله في تحقيق أهدافه، لم يتوقف عن المؤامرات وتصميم تهديدات جديدة. ويشير هذا الخطاب إلى أن المؤسسة العسكرية الإيرانية تريد إظهار أن الضغط الاقتصادي لن يؤدي إلى تنازل استراتيجي، مع الإبقاء على خيار الرد بالقوة.

حميد رضا حاجي بابائي – نائب رئيس مجلس الشورى

قال حميد رضا حاجي بابائي إن الحصار الاقتصادي يعني الهجوم على الاقتصاد الإيراني، وإن أي جهة تهاجم الاقتصاد الإيراني ستواجه، بحسب تصريحه، هجوماً على شركاتها الاقتصادية في المنطقة وعلى جميع من يساعدها اقتصادياً وإقليمياً. كما قال: «يجب أن يكون مضيق باب السلام/هرمز بقوة في يد إيران، وطالما استمر الحصار الاقتصادي الأمريكي، فإن الحديث مع أي دولة أخرى في المنطقة بشأن مضيق باب السلام / هرمز ليس عملاً عاقلاً أو علمياً». وهذا التصريح يمثل تهديداً مباشراً بتوسيع نطاق المواجهة من العقوبات الاقتصادية إلى المصالح والشركات الإقليمية المرتبطة بالدول المتعاونة مع واشنطن.

المخاطر المرتبطة بالإمارات

حذر علي شريعتي، عضو غرفة التجارة الإيرانية، من احتمال تجميد الموارد الإيرانية والبنوك الإيرانية في الإمارات العربية المتحدة بعد توقف المبادلات المالية والتجارية بين البلدين.

وقال يوم الجمعة 21 اغسطس إن تأثير القرار الإماراتي الجديد على نشاط فروع البنوك الإيرانية في الإمارات ما زال غير واضح، مطالباً وزير الاقتصاد بتقديم توضيحات.وقال: «آمل ألا يؤدي القانون الجديد إلى تجميد موارد إيران في هذا البلد». وأضاف أن تجميد أموال الإيرانيين أو الشركات الوسيطة أو البنوك الإيرانية يمكن أن يعني رقماً كبيراً.

وكانت الإمارات قد أعلنت وقف التجارة والمعاملات التجارية والتحويلات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، بعد إطلاق إيران  صاروخين باليستيين باتجاه حركة الملاحة البحرية في الإمارات.

القراءة العامة للمشهد

يمكن استخلاص عدة اتجاهات رئيسية من مجمل التصريحات:

1. إيران تعتبر أن المعركة انتقلت إلى الاقتصاد

الاستخدام المتكرر لعبارات مثل «الحرب الاقتصادية» و«الإرهاب الاقتصادي» و«الهجوم الاقتصادي» يدل على أن القيادة الإيرانية تنظر إلى العقوبات باعتبارها جزءاً من مواجهة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وليست سياسة منفصلة عن الصراع السياسي والعسكري.

2. أزمة البنزين هي نقطة الاختبار الداخلية

الحديث المتكرر عن خفض الحصص ورفع السعر الحر، إلى جانب انخفاض مخزونات البنزين وصعوبات الاستيراد، يجعل الوقود أحد أكثر الملفات قابلية لإحداث اضطراب اجتماعي.

3. الحكومة تدرك خطر تكرار سيناريو 2019

إشارة إسماعيل سقاب أصفهاني إلى أحداث نوفمبر 2019 ليست عابرة. فهي تعني أن صناع القرار يضعون في حساباتهم احتمال أن يؤدي القرار الاقتصادي إلى احتجاجات واسعة.

4. هناك تباين داخل السلطة بشأن سرعة الإصلاح

يتبنى مسعود پزشکیان ومسؤولو الملف الاقتصادي خطاباً يركز على استحالة استمرار الدعم الحالي، بينما يحذر محمدباقر قاليباف من رفع الأسعار، في حين تنظر الأجهزة الأمنية إلى أي احتجاج محتمل من زاوية خطر «الفوضى» و«مخططات العدو». وهذا يشير إلى وجود معادلة صعبة بين الضرورة الاقتصادية ومتطلبات الاستقرار السياسي.

5. إيران تحاول نقل كلفة الحرب الاقتصادية إلى الخارج

 

تهديد محسن رضائي بإغلاق تدفق النفط، وتصريحات حميد رضا حاجي بابائي بشأن استهداف الشركات والمصالح الاقتصادية للدول المتعاونة مع واشنطن، يعكسان محاولة جعل تكلفة العقوبات إقليمية وليست إيرانية فقط.

الاستنتاج

تشير الصورة الكلية إلى أن إيران تدخل مرحلة ضغط اقتصادي عالي الخطورة تتداخل فيها ثلاثة مسارات:

المسار الأول: الضغط الخارجي

وتمثله العقوبات الأمريكية الجديدة، القيود على التجارة والتحويلات، الضغط على صادرات النفط، ومحاولة عزل النظام مالياً.

المسار الثاني: الاختناق الداخلي

ويظهر في أزمة البنزين وارتفاع الأسعار، تراجع الاحتياطيات، صعوبة الاستيراد، ارتفاع كلفة الدعم، والقلق من التضخم وتدهور القدرة الشرائية.

المسار الثالث: الاحتواء الأمني والعسكري

ويظهر في تحذيرات الحرس الثوري والشرطة، وربط الاحتجاجات المحتملة بـ«العدو»، بالتزامن مع التهديدات المتعلقة بمضيق باب السلام/ هرمز والخليج العربي.

وبالتالي، فإن البنزين يمثل الحلقة التي تربط الاقتصاد بالأمن والسياسة. فإذا اضطرت الحكومة إلى رفع الأسعار بصورة كبيرة أو خفض الحصص في ظل نقص فعلي في الوقود، فقد تتحول الأزمة الاقتصادية إلى أزمة اجتماعية؛ وإذا امتنعت عن الإصلاح، فإن تكلفة الدعم واستنزاف الاحتياطيات قد تتفاقم.

قراءة المستقبل

السيناريو الأول – الإصلاح التدريجي والاحتواء

وهو السيناريو الأكثر قابلية للتطبيق على المدى القصير.

قد تتجه حكومة پزشکیان إلى:

  • إبقاء سعر البنزين المدعوم دون تغيير.
  • خفض الحصص تدريجياً.
  • رفع سعر البنزين الحر أو تطبيق سعر جديد على «الحصة الرابعة».
  • تقديم القرار باعتباره إصلاحاً ضرورياً وليس استجابة للضغط الأمريكي.
  • استخدام استطلاعات الرأي ووسائل الإعلام لتهيئة المجتمع.
  • تجنب الإعلان المفاجئ كما حدث في نوفمبر 2019.

النتيجة المحتملة: احتواء نسبي للاحتجاجات مع استمرار الضغوط التضخمية.

السيناريو الثاني – أزمة اجتماعية واسعة

قد يحدث إذا اجتمعت ثلاثة عوامل:

نقص الوقود + ارتفاع الأسعار + تدهور القدرة الشرائية.

وفي هذه الحالة يمكن أن تنتقل الاحتجاجات من مطالب اقتصادية محددة إلى مطالب سياسية، خصوصاً إذا ترافقت مع اضطرابات في النقل أو الكهرباء أو السلع الأساسية.

وتشير تصريحات أحمد رضا رادان والحرس الثوري إلى أن الأجهزة الأمنية تستعد مسبقاً لهذا الاحتمال، وتتعامل معه باعتباره جزءاً من «الحرب الاقتصادية».

السيناريو الثالث – التصعيد الإقليمي

إذا استمرت واشنطن في تشديد الخناق على صادرات النفط والتحويلات المالية، فقد تحاول طهران رفع تكلفة العقوبات عبر:

  • تهديد الملاحة في مضيق باب السلام/هرمز.
  • الضغط على صادرات النفط الإقليمية.
  • استهداف أو تهديد المصالح الاقتصادية للدول المتعاونة مع الولايات المتحدة وبالتحديد دول الخليج العربي.
  • توسيع العلاقات التجارية مع الصين وروسيا ودول أخرى.
  • زيادة عمليات الالتفاف على العقوبات.

وهذا السيناريو يحمل مخاطر كبيرة لأنه قد يحول الحرب الاقتصادية إلى مواجهة إقليمية أوسع.

السيناريو الرابع – احتواء متبادل وتفاوض

رغم التصعيد العلني، فإن استخدام إسماعيل بقائي لتعبير «الشطرنج والبوكر» يمكن قراءته باعتباره إشارة إلى أن إيران لا تريد بالضرورة الوصول إلى مواجهة شاملة.

وقد تستخدم طهران التهديدات الاقتصادية والعسكرية بهدف تحسين موقعها التفاوضي، ثم تعود إلى التفاوض إذا أصبحت كلفة التصعيد أكبر من فوائده.

وهذا السيناريو يتطلب بقاء قنوات اتصال سياسية أو غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة والاتصالات بالفعل موجودة ونشطة منها زيارة وفد باكستاني وعماني لايران بعد إعلان واشنطن الحملة الاقتصادية ضد طهران. 

التقدير النهائي

المؤشرات الحالية لا تعني بالضرورة أن انهيار النظام الإيراني وشيك، لكنها تشير إلى أن هامش المناورة الاقتصادية للحكومة يتقلص. والعامل الأكثر حساسية خلال المرحلة المقبلة لن يكون حجم العقوبات وحده، بل قدرة الحكومة على إدارة آثارها على الحياة اليومية للمواطنين.

وعليه، يمكن تحديد ثلاثة مؤشرات ينبغي مراقبتها بصورة خاصة:

  1. سعر البنزين وحجم الحصص: لأنهما قد يكونان الشرارة الاجتماعية الأكثر حساسية.
  2. قدرة إيران على الحصول على العملة الصعبة واستمرار صادرات النفط والتحويلات المالية: لأنها تحدد قدرة الحكومة على تمويل الاستيراد والدعم.
  3. سلوك طهران في مضيق باب السلام والخليج العربي: لأن الانتقال من التهديد اللفظي إلى إجراءات فعلية سيعني انتقال الأزمة من حرب اقتصادية إلى أزمة أمن إقليمي.

والخلاصة أن المواجهة الأمريكية الإيرانية تدخل مرحلة اختبار قدرة النظام الإيراني على تحمل الضغط الاقتصادي دون أن يتحول الضغط إلى أزمة اجتماعية أو إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

وفي المقابل، تحاول طهران تحقيق معادلة صعبة: امتصاص الصدمة داخلياً، منع تكرار سيناريو نوفمبر 2019، المحافظة على تماسك النظام في ظل تراجع الدعم الشعبي، وفي الوقت نفسه إقناع واشنطن بأن تكلفة الضغط على إيران ستكون مرتفعة على المستوى الإقليمي والدولي.

وبلغة «الشطرنج والبوكر» التي استخدمها إسماعيل بقائي، يبدو أن المرحلة المقبلة ستقوم على المناورة المحسوبة مع رفع سقف المخاطر؛ أي أن إيران قد تتجنب الحرب الشاملة، لكنها ستسعى إلى امتلاك أوراق ضغط تجعل استمرار الحرب الاقتصادية الأمريكية مكلفاً، بينما ستواصل الحكومة في الداخل اختبار حدود قدرتها على تعديل أسعار الوقود والدعم من دون إشعال موجة احتجاج جديدة